- الإستراتيجية الأميركية المطبقة في سورية منذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض تركز على «إخراج إيران منها»
- إدارة ترامب تربط بين الانسحاب الأميركي من سورية والانسحاب الإيراني وتطرح انسحاب إيران كشرط لانطلاق التسوية
- ترامب يريد أن يشاركه بوتين في الدفع باتجاه انسحاب إيران من سورية لكن الرئيس الروسي يريد مقايضة ذلك بـ «توفير ضمانات» لدمشق
بيروت: تتقاطع الاستراتيجية الأميركية والروسية في سورية حول أمور ونقاط متعددة أبرزها «أمن إسرائيل» ومحاربة داعش، وعدم ربط الحل السياسي برحيل الرئيس بشار الأسد. ولكن الاختلاف حاصل حول مسألة أساسية هي «الوجود الإيراني في سورية».
هذا الوجود الذي صار شاملا كل المستويات (العسكرية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية)، وصار «انتشارا» على الأرض و«نفوذا» في الدولة، وصار من خلفية التحالف والشراكة «شرعيا ومقوننا» عبر اتفاقات ثنائية.
فالاستراتيجية الأميركية المطبقة في سورية منذ وصول الرئيس دونالد ترامب الى البيت الأبيض، تركز على «إخراج إيران من سورية»، وبذل كل الجهود السياسية والديبلوماسية وممارسة كل الضغوط والعقوبات المالية لحملها على ذلك. ومنذ العام الماضي تركز إدارة ترامب على أربعة أهداف في سورية هي: هزيمة «داعش»، ردع استخدام الأسد الأسلحة الكيميائية، تأمين عملية انتقال سياسي في دمشق، والحد من التأثير الإيراني في سورية بحيث لا يمكن أن يهدد المنطقة، وضمان انسحاب القوات التي تدعمها إيران من سورية.
ويقول مسؤولون أميركيون إن الانتقال السياسي في سورية يحصل بعد انتهاء تنظيم «داعش» وتدميره كليا، وبعد خروج إيران من سورية، وأن الاستراتيجية الاميركية في سورية ستركز على إبقاء القوات الأميركية في شمال سورية وشرقها الى أجل غير مسمى، وحتى تحقيق الانتقال السياسي وخروج إيران. ولكن مازال هناك تفاوت في أجواء الإدارة الأميركية وكلامها بين من يعتبر أنه يتعين على إيران الانسحاب تماما من سورية وسحب كل ما له علاقة بها من هناك، ومن يرى الاكتفاء بسحب القوات والميليشيات الموالية لها والمدعومة منها. ولكن أيا يكن، فإن إدارة ترامب باتت تربط بين الانسحاب الأميركي من سورية والانسحاب الإيراني، وباتت تطرح انسحاب إيران كشرط لانطلاق التسوية ونجاحها. وبات الرئيس ترامب مقتنعا بأن الخروج الأميركي من واشنطن يقوض جهوده لمحاصرة إيران، وأن انسحاب أميركا سيوجد فراغا تملؤه طهران.
ما يريده ترامب هو أن يشاركه الرئيس الروسي بوتين في الدفع باتجاه انسحاب إيران من سورية وممارسة ضغوط روسية مكملة وداعمة للضغوط الأميركية، ولكن بوتين ليس في هذا الوارد، أو على الأقل ليس في وارد أن يفعل ذلك من دون الحصول على أثمان مقابلة وتلبية شروط مسبقة مثل الثمن والشرط اللذين طرحهما أمس الأول. ففي تطور لافت، قايض بوتين تلبية المطالب الدولية بسحب القوات الإيرانية من سورية بـ «توفير ضمانات» لدمشق، داعيا إلى معالجة القضية عبر حوار بين سورية وإيران والولايات المتحدة». وأخلى بوتين مسؤولية بلاده عن سحب القوات الإيرانية من سورية، وقال في كلمة أمام منتدى «فالداي» الدولي للحوار، الذي عقد في منتجع سوتشي الروسية: «إقناع إيران بالانسحاب من سورية ليس مهمتنا. سورية وإيران دولتان ذواتي سيادة، وعليهما بناء العلاقات في ما بينهما». وأشار إلى أن الانسحاب الكامل للقوات الأجنبية من سورية «مسألة منفصلة يجب معالجتها خلال الحوار بين سورية وإيران والولايات المتحدة، وتمكننا المشاركة في مناقشتها». ورأى أن تخلي سورية عن خدمات حلفائها، بينهم إيران، يستدعي توفير ضمانات أمنية لدمشق. وقال: «على من يريد أن تغادر القوات الإيرانية سورية أن يقدم ضمانات بعدم التدخل في الشؤون السورية. أي أن يتوقف عن تمويل الإرهابيين والاعتماد عليهم في تحقيق أهداف سياسية. إنها مسألة شاملة يقع حلها على عاتق الأطراف كافة».
الموقف الروسي يتراوح بين تأكيد على ضرورة انسحاب كل القوات الأجنبية من سورية مع انطلاق مسار التسوية السياسية، وإشارات ترددت أكثر من مرة، وخصوصا بعد حسم ملف الجنوب السوري، حول أن إيران شريك أساسي ولا يمكن الوصول إلى ترتيبات في سورية أو على المستوى الإقليمي من دون إشراكها في الحوارات. وهناك في روسيا من يذهب الى أبعد ويعتبر أن مصلحة روسيا تقضي بتجنب سيناريو يؤدي الى هزيمة إيران وإخراجها من سورية. هزيمة إيران في سورية تتهدد مصالح روسيا الحيوية.
إيران هي الدولة الوحيدة المستقرة، وإذا لقيت مصير سورية، انهارت التوازنات على نطاق إقليمي واسع، وتزعزع الاستقرار من القوقاز إلى آسيا الوسطى.
خصوم إيران يرون أنه في سورية، باتت هناك فجوة بين إيران وروسيا رغم محاولات الطرفين لتأكيد العلاقة واستمرارها، وأن الشراكة في الحرب من أجل هدف واحد هو دعم نظام الأسد والقضاء على الإرهاب، ستحل محلها مع انطلاق العملية السياسية منافسة وشكوك متبادلة. وأما الدائرون في فلك إيران، فإنهم يرون أن بوتين لا مصلحة له في مواجهة إيران، ولا يريد ذلك، لأن هناك مصالح متشعبة تربط البلدين في المنطقة والعالم على المستويات العسكرية والاقتصادية والمالية. ولأن روسيا وإيران تحتاجان الى بعضهما في سورية والمنطقة.
تحركت روسيا منذ العام ٢٠١٥ في اتجاهين: الأول تمكين النظام من استعادة المبادرة العسكرية ميدانيا. والثاني تفكيك المعارضة والجبهة الإقليمية والدولية المؤيدة لها. تحالفت روسيا وإيران في المعركة ضد المعارضة و«داعش» وفي محاولة تغيير موازين القوى الميدانية. لكن ذلك لا يعني التطابق. ففي حين كانت روسيا مهتمة بفرض أرجحية عسكرية للنظام في مواجهة خصومه، كانت إيران مهتمة بتعميق وجودها في سورية وتعميق إقامة سورية نفسها في «الهلال الإيراني» وإزالة العقبات التي تعترض انسيابا سلسا للممر البري الذي يربط إيران بشاطئ المتوسط اللبناني بعد عبور العراق وسورية. لم يؤد وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة إلى قلب اللعبة وإن كان تسبب أحيانا في إرباكها. لا تملك إدارة ترامب برنامجا لإفشال الانقلاب الذي تقوده روسيا على الأرض، وإن كانت تمتلك أحيانا وسائل تأخير واعتراض. أميركا ليست منشغلة كثيرا بمن يحكم سورية. إنها تنظر إلى سورية عبر التركيز على الوجود الإيراني فيها وهو ما تفعله إسرائيل أيضا.
على دوي المواجهة مع «داعش» وعدم استعداد الغرب لدفع ثمن تدخل عسكري واسع في سورية، جنحت دول غربية ومعها دول في المنطقة إلى خيار واقعي تمثل في القبول بـ «سورية الروسية» إذا كان ذلك يمنع قيام «سورية إيرانية». وتحركت إسرائيل للحصول من موسكو على ضمانات بعدم اقتراب إيران وحلفائها من الخطوط الإسرائيلية في منطقة الجولان. أبدى بوتين اهتماما لافتا بإبقاء العلاقة قوية مع إسرائيل وتفهم ما يعتبره حاجاتها الأمنية، لكنه لم يستطع توفير الضمانات اللازمة. ومع تطور الموقف الأميركي وعودة الرياح الساخنة بين واشنطن وطهران، انتقلت إسرائيل إلى مرحلة استهداف الوجود العسكري الإيراني مباشرة في سورية. ولا شك في أن الروس قد لمسوا جدية السياسة الأميركية الإسرائيلية الإقليمية الرامية للتصدي للنفوذ الإيراني. ووجدوا أنه ليس من مصلحتهم الانزلاق الى مواجهات وحروب خارج نطاق الأهداف التي تدخلوا في سورية من أجلها.