في مارس 2011، تظاهر بحر نحاس للمرة الأولى في حياته، مطالبا على غرار الكثير من السوريين بالحرية. بعد نحو ثماني سنوات، يجد نفسه يقصد الساحة ذاتها ليقول للعالم ان ادلب ليست حاضنة «تنظيم القاعدة».
في مدينة معرة النعمان الواقعة على بعد 30 كيلومترا جنوب مدينة ادلب، ينهمك بحر أسبوعيا في الإعداد لمظاهرات شعبية تخرج بعد صلاة كل يوم جمعة. يشرف على كتابة شعارات ورفع لافتات في المدينة، فيما أصبح تقليدا يتبعه منذ اندلاع الاحتجاجات التي كانت تطالب آنذاك بإسقاط النظام.
خلال نحو ثماني سنوات، واكب الرجل الذي غزا الشيب شعره بكثافة وهو أب لخمسة أطفال، إنجازات ما يصر على أنها «الثورة»، ثم انكساراتها على ضوء التراجع الميداني الذي منيت به الفصائل المعارضة.
ويقول بحر، وهو رجل طويل القامة وقوي البنية ومالك ورشة لصنع البلاط، لوكالة «فرانس برس»: «بدأت أشارك في مظاهرات الحرية والكرامة منذ أن خرجت في درعا. لن أنسى ذلك طوال عمري».
ويستعيد بحر بحماس ذكرياته من إحدى أولى التظاهرات التي شارك فيها، ويروي «بدأنا نقبل بعضنا ونبارك لأننا أصبحنا أحرارا»، موضحا أنه حينها «بمجرد ما كان الشخص يخرج وينادي بالحرية، يصبح حرا».
ويستعيد العبارات التي كان يتم تردادها «مبروك الحرية، مبروك إسقاط النظام»، مضيفا «كان أملنا أن يسقط النظام خلال أيام أو أسابيع».
ويقول بحر بفخر «كنا من أولى المدن التي تظاهرات ضد تنظيم داعش وأخرجناه منها.. بعدها تظاهرنا ضد جبهة النصرة وتنظيم القاعدة لتصبح المدينة خالية من داعش والقاعدة وجبهة النصرة على حد سواء».
وسيطر داعش على أجزاء من المدينة مع تصاعد نفوذه مطلع العام 2014 في سورية، إلا أن فصائل معارضة تصدت له وتمكنت من طرده بعد فترة قصيرة.
وفي يونيو 2017، سيطرت جبهة النصرة التي باتت تعرف بهيئة تحرير الشام بعد فك ارتباطها عن تنظيم القاعدة على مدينة معرة النعمان. وبعد معارك فر وكر مع الفصائل المعارضة وخروج المدنيين في تظاهرات ضدها، تم إخراجها من المدينة في فبراير.
على مر تلك السنوات، اختبر بحر تجارب مؤلمة، أبرزها حين استهدفت غارة في نوفمبر 2015 مدرسة ابتدائية تولى إدارتها لمدة عامين، أثناء وجود الطلاب فيها.
ويروي بتأثر «هرعت لإسعاف الطلاب إثر الضربة، لكنني لم أتمكن من رؤية أحد بسبب الغبار، وإذ بي أسمع أحدهم يناديني، توجهت نحو الصوت لأجد طالبا يمد يده نحوي ويستنجد بي. حملته وتوجهت به الى سيارة خارج المدرسة وكانت رجله مبتورة».
ويتابع «عدت وحملت طالبا آخر ثم ثالثا.. حصل ذلك كله خلال ثلاث دقائق، أن أسعف طلابي وأشلاؤهم على الأرض. لم أتحمل الأمر وانهرت».
وتسببت الغارة حينها بمقتل ثلاثة طلاب وإصابة 17 آخرين بجروح وبعضهم بترت أطراف لهم.
ويقول بحر «تمنيت حينها لو استشهدت معهم. ربما كان ذلك أسهل عليّ من أن أزور منازلهم وأقدم المواساة لعائلاتهم».
بعد تلويح النظام السوري مؤخرا بشن هجوم عسكري على إدلب، تجددت المظاهرات في مناطق عدة في المحافظة ومحيطها. وتوصلت روسيا وتركيا الى اتفاق في 17 سبتمبر نص على إقامة منطقة منزوعة السلاح.
ورغم أن الاتفاق جنب إدلب سيناريو كارثيا، إلا أن المظاهرات لم تتوقف في معرة النعمان.
وتشهد المدينة تظاهرات حاشدة في كل يوم جمعة يتولى بحر الذي يصفه صديقه مصطفى ذكرى بـ«مهندس التظاهرات» الإشراف على التحضير لها وتنظيمها داخل منزل قيد الانشاء ومدمر جزئيا جراء القصف، يجثو بحر على ركبتيه على الأرض ويخط بفرشاة الطلاء عبارات بالعربية والانجليزية على لافتات من القماش الأبيض لرفعها خلال التظاهرة. ثم يتأكد من جهوزية رايات المعارضة وينسق مع الناشطين الهتافات.
ويقول بحر «خرجنا في التظاهرات مجددا لنثبت أننا لسنا إرهابيين كما وصلت الصورة الى دول العالم والمنظمات الدولية، لسنا شعبا إرهابيا تابعا للقاعدة أو النصرة أو داعش».
وفقد بحر خلال الحرب عددا من أصدقائه، سواء جراء اعتقالهم أو مقتلهم أو هجرتهم. وفي حين انضم عدد منهم للقتال على الجبهات، اختار هو «مساعدة الثوار بالكلمة التي يمكن أن تكون أقوى من السلاح»، على حد قوله.
ويحتفظ بحر بتفاؤله للمستقبل، لأن «الثورة التي قدمت كل هؤلاء الشهداء والمعتقلين يستحيل أن تتوقف قبل إسقاط النظام».