نجحت مدينة كفرنبل السورية في استقطاب أنظار العالم عبر شعاراتها الجريئة والساخرة غالبا ضد النظام والحركات المتطرفة على حد سواء، فتحولت الى رمز.
اليوم وبعد 7 سنوات، تتمسك المدينة التي فقدت اثنين من أبرز ناشطيها هما رائد فارس وحمود جنيد الأسبوع الماضي، بما بقي من «الثورة» رغم كل خيبات الأمل.
في كفرنبل الواقعة في محافظة إدلب والتي تسيطر على أجزاء واسعة منها هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا)، تنتشر جداريات ملونة تدافع عن «الثورة السورية»، وتؤكد إحداها «لن تقتلوا ثورتنا».
ويقول الناشط الإعلامي عبدالله الداني لوكالة فرانس برس: «بدأت الثورة في مدينة كفرنبل، هي شرارة الشمال منذ بداية الثورة وشمعة في الشمال السوري المظلم».
في شوارع المدينة التي نقلت منها وسائل الإعلام العالمية شعارات لفتت أنظار العالم وصورا جسدت شجاعة أهلها في المطالبة بالحرية والديموقراطية، يعبر كثيرون اليوم عن حزنهم على رائد فارس، «مهندس» اللافتات و«صوت» المدينة الى الخارج.
ويقول الداني: «في بداية الثورة، كان هناك أشخاص معينون لتنسيق التظاهرات، أحدهم رائد فارس الذي قدم إعلاميا الكثير لمدينتنا، وكان صوتها خارج سورية».
وقتل فارس وصديقه الناشط جنيد برصاص مجهولين قبل أيام بعد خروجهما من مسجد في كفرنبل عقب أداء صلاة الجمعة.
ووصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فارس وجنيد بـ «ضميري الثورة» اللذين «واجها بطريقة سلمية وبشجاعة جرائم النظام».
وأعرب ممثل وزير الخارجية الأميركي الخاص إلى سورية جيم جيفري ومبعوث الولايات المتحدة الخاص الى سورية جول رايبون عن «حزن عميق» إزاء اغتيال «رمزين من رموز الثورة».
في العام 2011، انضمت كفرنبل، وعدد سكانها حاليا أكثر من 20 ألفا، إلى التظاهرات ضد نظام الرئيس بشار الأسد التي كانت بدأت بالانتشار تدريجيا في غالبية المناطق السورية، قبل أن يتم قمعها بالقوة عبر مداهمات واعتقالات وإطلاق نار.
ومع تحول حركة الاحتجاجات إلى حرب، شهدت كفرنبل منذ العام 2012 اشتباكات بين قوات النظام وعناصر منشقة عنها. وخرجت المدينة في العام نفسه مع مناطق أخرى عن سيطرة النظام، قبل أن تصبح كل محافظة إدلب تحت سيطرة فصائل معارضة في 2015.
وبدأ العالم ينتظر كل يوم جمعة، موعد المظاهرات الأسبوعية، خروج سكان كفرنبل ليصرخوا «الشعب يريد إسقاط النظام» أو ليحملوا لافتات بالانجليزية والعربية تخاطب مجلس الأمن والدول العربية والغربية وتطلب مساندة السوريين في مطالبتهم بالحرية.
وكان فارس وناشطون آخرون من المدينة يتفننون في إيجاد الأفكار.
في 14 أكتوبر العام 2011، كتب ناشطو كفرنبل شعارا اشتهروا به وتحولت صورته وهم حوله إلى رمز للمدينة، وفيه «يسقط النظام والمعارضة... تسقط الأمة العربية والإسلامية. يسقط مجلس الأمن.. يسقط العالم.. يسقط كل شيء».
ومع تطور الأحداث، تنوعت اللافتات الموقعة كفرنبل والتي طالت انتقاداتها كل الأطراف، ومنها «ليست حربا أهلية، إنها مجزرة. اتركونا نموت، لكن لا تكذبوا»، و«داعش: لم نحررها لتحكموها... ارحلوا»، و«روسيا.. أطلقي سراح مجلس الأمن»، و«الى الجامعة العربية، اعترفوا بفشلكم ولا تكونوا شركاء في الجريمة»، و«الى البابا: ميلاد مجيد من سورية، الأرض التي قتل عليها الأسد سانتا كلوس».
ويقول الناشط بلال بيوش: «وقفت كفرنبل ضد تنظيم داعش الإرهابي منذ العام 2013»، مضيفا انه يتم في كفرنبل اليوم «تنظيم وقفات تضامنية مع ناشطين تعتقلهم هيئة تحرير الشام».
ومنعت هيئة تحرير الشام إذاعة «راديو فريش» التي أسسها رائد فارس من بث الموسيقى منذ العام 2016. ويقول بيوش إن فارس «اختار أن يبث أصوات حيوانات مثل العصافير والديوك بدلا من الموسيقى لكي لا يتم إجباره على وقف البث».
ويفخر أهالي كفرنبل برمزية مدينتهم ولافتاتها التي عبرت «عما في قلوب الناس»، وفق ما يقول الطالب الجامعي محمد العلوش (21 عاما). ويضيف: «كفرنبل هي ثورة... ثورة ضد الظلم مهما كان».
في العام 2014، خاطت نساء كفرنبل علم المعارضة بنجومه الحمراء الثلاث وبطول 75 مترا، وحملنه على امتداد أحد شوارع المدينة.
ويواصل سكان كفرنبل الخروج في تظاهرات ترفع شعارات مطالبة بإسقاط النظام.
ويقول بيوش: «بعد 8 سنوات، زادت عزيمتنا، وسنستمر حتى إسقاط النظام ونحقق مطالبنا الأولى التي خرجنا من أجلها». لكنه يعرب في الوقت ذاته عن خشيته نتيجة «موجة الاغتيالات التي تطول الناشطين» في محافظة إدلب.
وستفتقد كفرنبل هذا الأسبوع فارس وجنيد اللذين قتلا غدرا، علما ان ناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي اتهموا هيئة تحرير الشام بقتلهما خصوصا لمواقفهما المعروفة ضدها. وكانت الهيئة اعتقلتهما سابقا مرات عدة.
ويقول فاتح الشيخ (62 عاما)، أحد وجهاء المدينة وعم فارس، «من أوصل صوت كفرنبل إلى العالم هو رائد الفارس من خلال لافتاته وفقدانه خسارة للثورة عامة ولكفرنبل خاصة».
لكن بالنسبة الى عبدالله الداني «كفرنبل فقدت رائد الفارس، لكنه كان عبارة عن فكرة والفكرة لن تموت وسيخرج من كفرنبل أكثر من رائد واحد».