- الدول الأوروبية مدفوعة للتفكير ملياً بحاجتها إلى «استقلالية إستراتيجية»
- الانسحاب لا يتماشى مع ادعاءات نتنياهو بأن ترامب أكبر صديق منذ أجيال
- «الپنتاغون» مستاء.. والقرار جاء عكس التقارير الواردة من واشنطن
تحليل اخباري
الإدارة الأميركية في وضع غير مستقر منذ وصول الرئيس دونالد ترامب الى البيت الأبيض. حركة الاستقالات والاقالات والتغييرات لا تهدأ، وآخرها استقالة وزير الدفاع جيمس ماتيس الذي قال في خطاب استقالته إنه يتنحى حتى يتمكن الرئيس دونالد ترامب من تعيين وزير دفاع له فكر مشابه لأفكاره. فيما أعلن ترامب في تغريدة له أن ماتيس سيترك منصبه نهاية فبراير.
استقالة ماتيس هي النتيجة المباشرة والفورية لقرار ترامب بالانسحاب من سورية، ويبدو أنه لم يكن منسقا مع الپنتاغون الذي تشهد أروقته حالة استياء وانتقاد لما جرى.
وعكست التقارير والمعلومات الواردة من واشنطن وجود علامات استفهام حول أسباب القرار وتداعياته وأسلوب اتخاذه، لأنه يتعارض مع تصريحات كبار القادة العسكريين ومسؤولي الأمن القومي، ومع الأهداف الاستراتيجية التي أعلنتها إدارة ترامب لمساعدة القوات الكردية السورية ومكافحة نفوذ كل من إيران وروسيا، وتتركز انتقادات المعارضين لقرار ترامب على النقاط التالية:
٭ قرار ترامب يخدم مصالح روسيا وإيران. فالاخيرة ستهيمن على سورية بالكامل وإسرائيل ستكون في خطر أكبر.
٭ القرار يهدم الاستراتيجية الأميركية الأوسع في سورية، وتحديدا يهدم محور سياسة إدارة ترامب، وهو احتواء إيران، فسورية هي «جوهرة التاج» في استراتيجية إيران الإقليمية.
٭ ترامب يتخلى بقرار الانسحاب عن قدرة واشنطن على القيام بدور رئيسي في التوصل الى تسوية الأزمة السورية.
٭ القرار باغت القادة العسكريين الذين يواجهون موقفا ميدانيا صعبا وأسئلة كبيرة تتعلق بكيفية الانسحاب وحماية الجنود الأميركيين من التعرض للهجمات، وكيفية الاستمرار في التحالف الدولي لمحاربة «داعش» وشن هجمات جوية من دون وجود قوات أميركية برية، إضافة الى كيفية استعادة آلاف الأسلحة الموزعة وسحب المعدات العسكرية، والبحث عن حلول للموقف مع المقاتلين الأكراد.
الصدمة في أوروبا موجودة أيضا وكبيرة.
الأوروبيون يعتبرون أن توقيت القرار الأميركي سيئ جدا لأنه يأتي فجائيا، فيما المفاوضات لتشكيل اللجنة الدستورية اقتربت من نهاياتها، وبالتالي فإن انسحاب أميركا سيكون له بالغ التأثير على مجرياتها، وتختصر ردة الفعل الأوروبية بالنقاط التالية:
٭ الحرب على الإرهاب أحرزت تقدما كبيرا ولكنها لم تنته، وتنظيم «داعش» مازال موجودا ويشكل تهديدا، ولم يلغ من الخريطة ولم تجتث جذوره، ويتعين دحره بشكل نهائي واستعادة الجيوب الأخيرة منه.
٭ هناك حاجة الى بقاء القوات الأميركية لتحقيق الأهداف الأميركية التي كانت في الوقت نفسه أهدافا أوروبية وهي:
ـ القضاء على «داعش».
ـ إيجاد توازن استراتيجي مع الوجود الروسي ـ الإيراني ـ التركي.
ـ الإفادة من هذه الورقة للتأثير على رسم صورة سورية المستقبلية والدفع باتجاه حل سياسي لا يكون 100% لصالح النظام ووفق تصورات روسيا وإيران.
ـ احتواء سياسة طهران الإقليمية بدءا من سورية.
٭ قرار الانسحاب الأميركي يدفع الدول الأوروبية إلى التفكير مليا بحاجة أوروبا إلى «استقلالية استراتيجية»، ولأن الأولويات الأوروبية يمكن أن تكون مختلفة عن أولويات الولايات المتحدة.
كما يدفع الى إحياء طرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي يدعو لقيام «جيش أوروبي حقيقي»، الأمر الذي أثار حفيظة ترامب ووتر العلاقات بين الطرفين.
الصدمة في إسرائيل أيضا وتبدو ملامح الخيبة فيها واضحة وعميقة، وقد ركزت ردود الفعل والانتقادات الإسرائيلية على النقاط التالية:
ـ الانسحاب الأميركي يفقد إسرائيل تقسيما جغرافيا كان ملائما ومسيطرا عليه من حليفها الأميركي، وكان يقطع طريق العراق البري عن إيران باتجاه سورية، وكان من شأنه تشكيل كابح لجهود ما تسميه تمدد إيران وتعاظم نفوذها، وفي بقعة جغرافية واسعة جدا بالقرب من حدودها.
ومن ناحية إسرائيل، يمثل التهديد الإيراني تهديدا استراتيجيا بمعان وجودية ربطا بما يمكن أن تصل إليه إيران من قدرات ومن نقل حدودها فعليا إلى الحدود الإسرائيلية، ما يعني تعذر تأجيل ما لديها من خيارات أو قدرة التعايش مع تقلصها.
ـ الانسحاب الأميركي البري من سورية يفقد إسرائيل رافعة ضغط كبيرة جدا كانت متاحة ومؤثرة لمجرد وجودها، ليس ضد أعدائها المباشرين: سورية وإيران وحزب الله فحسب، بل أيضا في وجه الجانب الروسي الذي يقيد إلى الآن حرية مناورتها العسكرية وهامشها في سورية، ويحد من خياراتها العملانية فيها ضد أعدائها.
فالعلاقات مع روسيا لم تعد إلى مسارها بعد إسقاط الطائرة الروسية، ورغم تهديدات أنفاق حزب الله، فإن الولايات المتحدة تواصل تسليح الجيش اللبناني، كما أنها ليست على استعداد لممارسة الضغط عليه.
- إسرائيل اعتبرت وجود القوات الأميركية في التنف كورقة مساومة، بحيث لا تخرج منها إلا في إطار اتفاق يقضي برحيل القوات الإيرانية من سورية.
وفي حال تبين أن انسحاب القوات الأميركية ليس جزءا من اتفاق شامل مع روسيا، فإن ذلك سيبقي الهيمنة الروسية على سورية.
وبالنسبة لإسرائيل، فإن لذلك معنيين: الأول هو عزلها كما كانت في السابق وانفرادها في الجهود لإبعاد الإيرانيين من سورية، في ظل التوتر القائم مع روسيا منذ إسقاط الطائرة الروسية «إيليوشين 20» في سبتمبر الماضي، والثاني هو أن ترامب قد اتخذ قرارا يتعارض مع موقف بنيامين نتنياهو.
بوتين هو الذي فرض قيودا على إمكانية دفاع إسرائيل عن نفسها في سورية من التمركز الإيراني قرب الحدود، وترامب هو المسؤول عن التخلي عن إسرائيل مقابل العدوانية الإيرانية في المنطقة.
وطالما أن روسيا هي التي تقرر، وفي ظل عدم وجود ردع أميركي في سورية، فمن يمنع حزب الله وإيران من تحويل الجولان إلى موقع أمامي.
المظلة الاستراتيجية التي وفرتها الولايات المتحدة لإسرائيل تضعضعت، بعد أن كانت إسرائيل تتمتع بالقدرة على التلويح لأعدائها بأنه من الأفضل أن يأخذوا بالحسبان أن الولايات المتحدة إلى جانبها.
ـ الانسحاب من سورية يثبت للعالم أن الولايات المتحدة هي حليفة بضمانة محدودة، وإعادة التأكيد أن أميركا تترك خلفها حلفاءها ربطا بتغيير الظروف والمصالح. فقرار ترامب يدل على ضعف، وربما خيانة واشنطن لحلفائها وأولهم الأكراد في سورية.
- القرار لا يتماشى مع ادعاءات نتنياهو بأن ترامب الرئيس أكبر صديق لإسرائيل منذ أجيال، وأن قادة دوليين، مثل ترامب وبوتين، يرقصون على إيقاعاته.
وأيضا إسرائيل تشعر بالقلق، حيث ان نتنياهو تجنب التدخل في الحرب في سورية، واعتمد على الأميركيين في ضمان مصالح إسرائيل عندما تنتهي الحرب.
ولكن يبدو الآن أن سورية أصبحت بيد ألد أعدائها، من دون أن يكترث أحد بمصالح إسرائيل.
لعل ما كتبه مراسل «هآرتس» في الولايات المتحدة حيمي شاليف، يعكس تماما المناخ الإسرائيلي العام.
قال شاليف ان الخطوة التي وصفها بـ «المتسرعة» لترامب هي بمنزلة «بصقة في وجه إسرائيل»، وإنه لو كان الرئيس باراك أوباما هو الذي يترأس الولايات المتحدة اليوم لقالوا عنه «جبان ومهزوم. يهرب وينسحب مهزوما. يطوي ذيله. يتخلى عن إسرائيل.
يخون الأكراد ويغرز سكينا في ظهر معارضي الأسد. يعزز قوة إيران.
يمنح روسيا نصرا ساحقا. يلقي طوق النجاة لبقايا «داعش».
ولكن، ونظرا لأن ترمب هو الذي اتخذ القرار، فإن إسرائيل تتقبل ذلك بتفهم، وتحترم القرار».