بيروت ـ عمر حبنجر
الحراك الثوري من الطرقات الى الساحات الى رموز ومحطات الفساد، في الوزارات والمؤسسات والجامعات ودوائر الدولة والمصارف.
لا قطع طرق ولا اجتياحات او اعمال عنف او تخريب، لقد تنفس بعض اهل السلطة الصعداء عندما حسم الجيش الامر بمنع اغلاق الطرق وشل اوجه الحياة، وبالتالي تعالت الدعوة الى المزيد من التريث، او عدم الاستعجال في تحديد الرئيس ميشال عون موعد استشارات تكليف رئيس للحكومة العتيدة، على اعتبار ان عصا الحراك الشعبي الثائر صارت من ورق، وان اللبنانيين كالسمك ضعاف الذاكرة، لذا يبتلعون الطعم في كل مرة، لكن هذه المرة كان هناك من يذكرهم بأنه اذا كان هدف اغلاق الطرق بين المناطق وداخل المدن والبلدات شل مؤسسات الدولة، وبالتالي دفع رموزها الفاسدة للرحيل، فلماذا لا تتحول التظاهرات والاعتصامات الى حيث مرافق الدولة بقصد تعطيلها عن الجباية المالية والدروس ومن ثم جرها الى الاضراب والتفاعل مع المضربين قسرا؟ وهذا ما حصل عمليا امس، فقد توزع الحراكيون على الوزارات والمرافق العامة في بيروت، حيث تنقل المتظاهرون بين مكاتب شركة «ألفا» للهاتف الخليوي ومعها شركة «تاتش» ومنعوا المكلفين من الدخول وتسديد الفواتير التي افلحت التظاهرات بتحويلها من الدولار الى الليرة اعتبارا من امس، وتحولت كذلك الى دوائر وزارة المال خصوصا دائرة الضريبة على القيمة المضافة TVA التي توصف بأصل بلاء الضرائب والنهب العام، واقفلوا دوائر تسجيل السيارات في الدكوانة وجونيه وزحلة وطرابلس وصيدا ووزارة التربية في منطقة الاونيسكو وقصر العدل في بيروت حيث ملفات الفساد تغفو في الادراج.
وفي طرابلس «عروس الثورة»، كما باتت تعرف، توزع الحراكيون بين مصرف لبنان ووزارة المال وجامعة العزم المملوكة للرئيس نجيب ميقاتي وعائلته، وطالبوا العاملين في المصارف ـ التي اقفلت ابوابها على من بداخلها من موظفين وزبائن وصلوا باكرا ـ بالخروج، وبالفعل انضم بعضهم ممن انجز معاملاته الى الحراك وسط حضور امني كثيف.
وقال احد الحراكيين: نحن هنا لنمنع تهريب اموال السياسيين الفاسدين بأسماء وهمية، لا لنعرقل عمل الناس.
وكما في بيروت وطرابلس كذلك في صيدا وزحلة، وكان الحضور الطلابي طاغيا على الحراك بشكل لافت، ولسان حالهم: سنتخرج بالتأكيد، لكن اين فرص العمل مع هكذا طبقة سياسية فاسدة؟
هذا النوع من الاضراب العام في كل لبنان المتمثل بإقفال الوزارات والمؤسسات والجامعات مستمر حتى بعد تكليف رئيس الحكومة الجديدة التي يفترض ان تكون مستقلة عن بؤر الفساد السياسي، وعن الحكام الفاسدين، وعن المتحكمين بهؤلاء الحكام الممسكين بخيوط «الماريونيت» (الدمى المتحركة) من خلف الستائر السياسية والامنية.
والجديد على هذا الصعيد زيارة ثانية يفترض ان يكون قام بها الوزير جبران باسيل الى الرئيس سعد الحريري في بيت الوسط لاستكمال مباحثات لقائهما السابق منذ بضعة ايام والذي اصطدم برفض باسيل التنحي، مقللا من اهمية الحراك الشعبي العام مقابل رغبة الحريري في تشكيل حكومة من اهل الاختصاص نزولا عند طلب الحراك، ما يعني ان باسيل خارجها، وهذا ما جعل باسيل يقول: اما ان نكون معا وإما لا نكون.
مصادر متابعة اعتبرت في مثل هذه اللقاءات الثنائية هروبا الى الامام وتشكيلا للحكومة قبل استشارات تسمي رئيسها، وتقول المصادر لـ «الأنباء» ان الفرنسيين ارسلوا الى ميشال عون ينصحون بإبقاء باسيل خارج الحكومة العتيدة، لكنه لم يجب، والعقدة كما يبدو في حسابات باسيل الرئاسية التي يدمرها ابعاده عن الحكومة التالية لما يعنيه ذلك من تحميله مسؤولية مجموع التراكمات التي فجرت الثورة المدنية في الشوارع.
وترى باريس ان المرحلة تتطلب بقاء الحريري على رأس الحكومة، لكن النائب المستقبلي سمير الجسر تحدث امس عن عدم رغبة الحريري في تشكيل الحكومة مجددا.
الرئيس ميشال عون ابلغ المدير الاقليمي للبنك الدولي لشؤون الشرق الاوسط وشمال افريقيا ساروج كومارشاه ان الحكومة العتيدة ستضم وزراء يتمتعون بالكفاءة والخبرة ومن ذوي السمعة الحسنة وبعيدين عن شبهات الفساد، مشيرا الى تحقيقات بالفساد تناولت مسؤولين حاليين وسابقين تدور حولهم الشبهات، وقال ان المشاريع الاصلاحية ومكافحة الفساد باتت في مجلس النواب، واهمها قانون رفع السرية المصرفية ورفع الحصانة عن المسؤولين المرتكبين لاستعادة الاموال المنهوبة وانشاء المحاكم الخاصة بالجرائم المالية، مشيرا الى تحريك 17 ملف فساد على القضاء.
وفي هذا السياق، اتصل امس المدعي العام المالي علي ابراهيم بوزير الاتصالات الحالي محمد شقير والسابق جمال الجراح ودعاهما الى «شرب فنجان قهوة او شاي» في مكتبه بقصر العدل.
اما المدير الاقليمي للبنك الدولي فقد ابلغ الرئيس عون وجهة نظر ادارة البنك وهي ان الوضع الاقتصادي يصبح اكثر خطورة بمرور الوقت، والمطلوب تشكيل حكومة سريعا، محذرا من تفاقم مستويات خط الفقر في لبنان المتجهة نحو 50%.
وعلى هذا الصعيد، تبلغت مراجع لبنانية ما يشبه الانذار بأنه ما لم يستقر الوضع الحكومي على النحو الذي يتطلع اليه اللبنانيون، فإن موجة افلاسات لشركات كبرى قد تعلن بدءا من منتصف هذا الشهر.
وكانت وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني خفضت منذ يومين تصنيف لبنان من Caa1 الى Caa2 مع نظرة مستقبلية سلبية، وتخفيض الحد الاقصى لسندات الودائع بالعملات الاجنبية في لبنان الى Caa3، كما تم تخفيض سقف السندات والودائع طويل الاجل بالعملة المحلية الى B2، بينما تبقى السندات قصيرة الاجل بالعملات الاجنبية غير اولوية.
وقالت النائبة بولا يعقوبيان في مؤتمر صحافي ان اداء الحراك امس كان عظيما، واضافت: لأول مرة يصنع في لبنان مثل هذا الحراك، شعب لبنان الواحد في الشارع، وان المافيا ورؤوس الفساد لن تنزل بغير هذه الوسيلة الثورية، فيما هم لم يحسوا على دمهم ويشعروا بأنهم ساقطون.