في صباح يوم عابر أخذ جاهل عود كبريت مشعلا طرفه فوق أرض خضراء فاقع لونها كانت تسر الناظرين، احترقت وفسدت وغلبها السواد حزناً عليها، والجاهل مازال يبرر: «لم تكن سوى شرارة»!
***
شرارة يلقيها جاهل وسط عاصفة فكرية وثقافية واجتماعية غرضه لفت الانتباه الى جهله، يعلل فعلته مقللا من خطيئته: «كلها تغريدة!»، ويمضي في طريقه مستفزا من حوله.
الكثير من حولنا يجهلون «أخلاقيات الإعلام» أو بالاحرى يتجاهلونها لأنها عائق لأمثالهم، ومن ثم يقدمون أنفسهم «معاك الاعلامي فلان»، والاعلام بريء منهم براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام، ولأننا مجتمع يجامل على حساب نفسه، نعطي أمثالهم فرصة ذهبية لا مثيل لها لتصدر المنصات الإعلامية ولا ندري أنها عاجلا أم آجلا ستعود علينا عكسية سنندم عليها.
كثرت القوانين وقل الإحساس بالمسؤولية، والجاهل مازال يسعى في الأرض فسادا، لا رقيب يراقب ولا حسيب يحاسب.. هو مؤمن بذلك.
«المواطن الصحافي» أصبحت وظيفة لمن لا وظيفة له، ضاربين بالنظريات الصحافية والأخلاق الإعلامية والقواعد الأدبية عرض حائط هش سيسقط قريبا، وحينها اتمنى لهم السلامة.
المرسل اختلف، المستقبل اختلف، الرسالة اختلفت، الوسيلة اختلفت، والتأثير أصبح لا قيمة له، لأن الهدف عند البعض أصبح قبل كتابة أي خبر: «راح يسوي لويه؟» وبعد نشره يتساءل البعض: «جم ريتويت وصل؟» تاركين خلفهم أي معنى من معاني العمل الصحافي المهني.
اليوم أصبحنا كلنا «حارس بوابة» يراقب عبور أي خبر، حقيقيا كان أو مزيفا، ومن الضروري أن نوقظ الضمير حرصا على استقرار قواعد هذا المجتمع وألا نشارك في انهيار عمدانه.
يوما من الأيام سألت انسانا يعمل في المجال الصحافي من قبل أن أولد، «لماذا تستفز المجتمع بخبرك؟»، فلم يكـــن جـــوابه الا عار لكل يوم قــضاه في الحقول الصحافية العديدة: «هذا هو عملي»، ومحشوم كل من يعمل في الصحافة، فهو ليس منكم.
ولا أجد مسمى يليق بعمل الجهلاء منهم إلا أنهم صانعو فتنة، والفتنة أشد من القتل لو كانوا يعقلون.
***
يوما ما سنعيد زراعة تلك الأرض لتعود كما كانت بل أجمل، سنعيدها جنة ألوانها تسر الناظرين، الزرع ينبت والماء يجري والجاهل يرحل في طريق لا عودة له، وسيظل الدرس راسخا في أذهاننا: «الحريق يبدأ بشرارة».
O_alqassas@