بيروت - جويل رياشي
بعد اندلاع احتجاجات 17 أكتوبر 2019 الشعبية غير المسبوقة في تاريخ لبنان، خاطب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون المحتجين بعد أسبوع قائلا: «نظامنا لا يسقط في الشارع وإنما عبر المؤسسات الدستورية وصرختكم وصلت». وطلب منهم فتح الطرقات التي قطعت أوصال المنطقة الشرقية من العاصمة وصولا الى جبيل. بعدها حاول المحتجون نقل اعتصاماتهم الى محيط القصر الجمهوري على أوتوستراد الحازمية المؤدي الى بعبدا، وكانت المحاولة الأخيرة عصر السبت 12 سبتمبر، الا انها جوبهت بـ «شارع آخر» مؤيد لرئيس الجمهورية، حضر للمرة الثانية، بعد مرة أولى عدل فيها المحتجون عن التوجه الى طريق القصر.
وجد الجيش اللبناني نفسه بين فريقين من المتظاهرين، أحدهما مؤيد للرئيس والآخر معارض. وكان حازما في منع الصدام بين الفريقين، وتأمين سلامة العابرين على الطريق الدولية التي تصل الى البقاع ومنها الى سورية، فضلا عن حفظ أمن المقر الرئاسي.
لم يسقط رئيس للجمهورية اللبنانية في الشارع، منذ تاريخ تأسيس الجمهورية اللبنانية بشكلها الحالي في 23 مايو 1926، بعدما أقر مجلس الممثلين (النواب) الدستور اللبناني وأعلن قيام الجمهورية اللبنانية، وانتخب شارل دباس رئيسا بعد 6 أعوام من إعلان الجنرال الفرنسي غورو قيام دولة لبنان الكبير.
وحده «رئيس الاستقلال» بشارة الخوري استقال في منتصف ولايته الممدة في 18 سبتمبر 1952. استقال تحت الضغط، لكنه لم يسقط.
بعدها تكررت المحاولة مع خلفه الرئيس كميل شمعون، وغادر المقر الرئاسي في القنطاري في اليوم الأخير من ولايته في 22 سبتمبر 1958.
الرئيس سليمان فرنجية طولب بالاستقالة، لكنه مضى في منصبه الى ان انتخب سلفه الياس سركيس في 8 مايو 1976، قبل أشهر قليلة من نهاية ولاية فرنجية.
الرئيس أميل لحود كان الأكثر عرضة في العصر الحديث للجمهورية اللبنانية بدستورها الجديد الذي عرف بـ «دستور الطائف»، لمحاولة اسقاطه في الشارع بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان في 26 أبريل 2005، اثر «ثورة الأرز» التي انبثقت عن الحشد الكبير في 14 مارس من العام نفسه.
يروي الرئيس لحود في حديث تلفزيوني مع قناة «الميادين»، أنه أبلغ موفد من البطريرك الماروني الراحل الكاردينال نصرالله صفير الذي نقل اليه رغبة الأخير في تنحيه عن سدة الرئاسة، انه ينتظر من يريد الصعود الى قصر بعبدا من المحتجين على متن دبابة.
يومها قيل ان لحود أبلغ موفد صفير المطران سمير مظلوم «ان الزيارة انتهت»، في إشارة الى انزعاجه من خطوة بطريرك الموارنة. إلا ان صفير استدرك الأمر لاحقا في تصريح صحافي، قال فيه «اليوم الذي نسمح فيه بإسقاط (الرئيس) لحود (في الشارع)، نكون قد جعلنا إسقاط أي رئيس آخر قاعدة وبيصير حيطو (رئيس الجمهورية) واطي».
أكمل لحود ولايته الممدة الى نهايتها منتصف ليل 23 نوفمبر 2007، وغادر قصر بعبدا بمراسم رسمية. ومثل فعل سلفه ميشال سليمان الذي غادر القصر الجمهوري بمراسم رسمية في اليوم الأخير من ولايته في الساعة الثانية من بعد ظهر 24 مايو 2014.
الذين يعرفون الرئيس ميشال عون، يدركون ان الرجل لا يستسلم. وهو غادر القصر الجمهوري مرة أولى من موقعه رئيسا للحكومة العسكرية مرغما في صباح يوم السبت 13 أكتوبر 1990، قاصدا السفارة الفرنسية في منطقة الحازمية (وقتذاك)، تحت ضغط الضربات الجوية السورية التي مهدت لعملية عسكرية وصلت فيها قواتها الى القصر الجمهوري في بعبدا.
الذين يعرفون عون، يدركون انه ينتصر لشعار رفعه في تلك الحقبة: «يستطيع العالم ان يسحقني، لكنه لن يأخذ توقيعي». هذا الشعار كرره في ساحة الشهداء في بيروت في 7 مايو 2005 يوم عودته الى بيروت من منفاه الباريسي بعد 15 عاما.
تاريخ من الاحتجاجات على رؤساء الجمهورية اللبنانية المتعاقبين لم يطح بأي منهم في الشارع. موقع يراه المسيحيون ضمانة لوجودهم في الشرق، ويخشون حصول سابقة قد تمهد الى أخرى، وصولا الى إلغاء هذا الموقع، الذي خسر الكثير الصلاحيات المنوطة بشاغله منذ اقرار وثيقة الوفاق الوطني في الطائف في 1989.
ولا شك ان المحتجين (ومن يقف وراءهم) يدركون ان صعوبات لا تقل عن «المستحيل» تحول دون إسقاط رئيس الجمهورية في الشارع. وان ما حدث من تجارب مماثلة في تونس ومصر لا ينسحب على الواقع اللبناني الذي يتميز بـ«موزاييك» سياسي وطائفي فريد من نوعه.