لم تهدأ العاصفة التي أثارها الإعلان عن كتاب مستشار الأمن الوطني السابق جون بولتون «الغرفة حيث وقع الحدث: مذكرات من البيت الابيض»، مع أنه لم يصدر بعد. وتشير ردود الفعل على التسريبات التي تقوم بنشرها وسائل الإعلام الأميركية، إلى أن هناك بالفعل ما لا يريدنا الرئيس دونالد ترامب أن نقرأه، بحسب تقديم دار النشر الشهيرة «سيمون آند شوستر» لدى إعلانها عن الكتاب وموعد نشره الثلاثاء المقبل، إلا إذا تمكنت الإدارة من الحصول على أمر قضائي بمنعها.
ورغم صدور العديد من الكتب التي تكشف كواليس إدارة الرئيس دونالد ترامب للدولة الأكبر في العالم، ومنها مثلا كتاب «النار والغضب» للصحافي مايكل وولف، إلا أن الكتاب الأخير لبولتون وضع تحت المجهر وأثار الكثير من الجدل لدى الرأي العام، نظرا لمنزلة الكاتب وقربه من موقع الحدث وطبيعة المعلومات التي أوردها.
ويصف الكتاب رئيسا جاهلا بأبسط الحقائق الجغرافية، يهاجم الصحافيين بمصطلحات تتسم بمستوى نادر من العنف، حتى انه قال ذات يوم بحسب ما جاء في الكتاب «يجب إعدام هؤلاء الأشخاص. إنهم حثالة».
وفيما يلي بعض أهم ما لا يريدنا ترامب أن نقرأه:
رئيس طائش
يصف بولتون ترامب بأنه رئيس مهووس بتفاصيل تافهة بدلا من التركيز على استراتيجية طويلة المدى.
وفيما كان التقارب مع كوريا الشمالية يتهاوى بعد قمة تاريخية مع الزعيم الكوري الشمالي عام 2018، انشغل الرئيس الأميركي «لأشهر عدة بأولوية كبيرة» وهي: إصراره على وزير الخارجية مايك بومبيو أن يقدم لكيم جونغ أون هدية من جانبه هي عبارة عن قرص مدمج يحتوي على أغنية «روكيت مان» (الرجل الصاروخ) للمغني البريطاني إيلتون جون - في إشارة إلى لقب منحه ترامب لكيم في أوج التوترات مع بيونغ يانغ، منذ عام.
لكن كيم جونغ أون تجاهل بومبيو خلال رحلته وفضل الذهاب لتفقد حقل للبطاطس، وبحسب بولتون فقد «ظل إعطاء هذا القرص المضغوط لكيم أولوية لدى ترامب لأشهر عدة».
كل شيء للفوز بالانتخابات
يقول بولتون «ليس هناك أي قرار مهم اتخذه ترامب خلال فترة عملي معه لم تكن وراءه حسابات لمصلحة إعادة انتخابه»، متهما ترامب بالخلط بين «مصالحه السياسية الخاصة والمصلحة الوطنية الأميركية».
ويعطي بولتون مثالا دامغا، فيقول إن ترامب وأثناء لقاء مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في يونيو 2019، «حول المحادثة بشكل مفاجئ إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة في نوفمبر» المقبلة في الولايات المتحدة «ملتمسا من شي أن يضمن فوزه»، مشيرا إلى قدرة الصين الاقتصادية.
ويقول «أكد (ترامب) أهمية المزارعين الأميركيين وتأثير زيادة حجم المشتريات الصينية من فول الصويا والقمح على نتيجة الانتخابات».
ويعتبر القطاع الزراعي أحد القطاعات المهمة في الغرب الأوسط الأميركي التي ساعدت في انتخاب ترامب في عام 2016.
رئاسة إلى الأبد
لعل من اخطر ما أورده بولتون في كتابه هو تلميح ترامب الى رغبته في البقاء في الحكم لأكثر من ولايتين. وبالفعل ألمح ترامب الى هذا الأمر على حسابه على تويتر عبر نشره فيديو يصوره كرئيس لولايات لا نهائية، ولو انه ذكر أن الموضوع عبارة عن دعابة. إلا أن بولتون قال إن ترامب أخبر الرئيس الصيني أن الشعب الأميركي يريد منه أن يجري التعديلات الدستورية اللازمة للسماح له بالاحتفاظ بالحكم لأكثر من فترتين رئاسيتين.
ويقول، في مقطع من الكتاب نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، «جاء ذلك عندما قال شي إنه يرغب في العمل مع ترامب لست سنوات أخرى، مما حدا بالرئيس الأميركي إلى الرد بأن الشعب الأميركي يقول إن تقييد الرئاسة بفترتين فقط يجب أن يرفع في حالته».
ويضيف: «وقال شي إن الولايات المتحدة تشهد كما كبيرا من الانتخابات، وإنه لا يريد التحول عن ترامب. وهز الرئيس الأميركي رأسه معربا عن تأييده لما يقوله نظيره الصيني».
المقربون يسخرون منه
يحتوي كتاب بولتون على العديد من النماذج عن السخرية التي يوجهها موظفو البيت الأبيض لترامب.
ويصف البيت الأبيض بأنه «مختل» تماما تحت إدارة ترامب، وأن الاجتماعات التي تجري فيه تشبه «معارك صبيانية»، عوضا عن أن تكون جهودا حقيقية لصياغة السياسات.
وكمثال على ذلك يورد بولتون حوارا جرى بينه وبين رئيس موظفي البيت الأبيض آنذاك، جون كيلي، الذي حذره عندما بدأ عمله في مقر الرئاسة الأميركية بأن «هذا مكان سيئ للعمل، كما ستكتشف بنفسك».
وبعد شجار صاخب بين ترامب وكيلي حول الهجرة غير الشرعية يتحدث كيلي لبولتون قائلا «لقد فقد رجالا في المعارك ولم أضطر أبدا لتحمل مثل هذا القرف».
ويتابع كيلي «ماذا لو كانت لدينا أزمة مثل 11 سبتمبر وتعامل معها بطريقته في اتخاذ القرارات». ويرد بولتون «هل تعتقد انه سيكون من الافضل لو غادرت؟ على الاقل انتظر حتى نهاية الانتخابات. لو غادرت ستكون الانتخابات كارثة» ثم ينقل عن كيلي قوله «ربما سيكون من الافضل أن تكون كارثة». وغادر كيلي منصبه بعدها بأيام.
ويعرف عن وزير الخارجية مايك بوبيو أنه مستعد دائما للدفاع عن الرئيس لإظهار ولائه الذي لا يتزعزع. ولكن حتى هو لا يتورع عن انتقاده خلف ظهره، وفق بولتون.
ففي خضم قمة تاريخية بين ترامب وكيم جونغ اون، مرر بومبيو ملاحظة لبولتون بشأن الرئيس يقول فيها «لا يقول إلا الهراء». وبعدما سمع محادثة رئاسية بشأن الملف نفسه قال «لقد كدت أصاب بنوبة قلبية».
ونقل عنه وصفه في رسالة بأنه «ينضح بالقذارة».
فنلندا جزء من روسيا؟
ويقول بولتون إن هناك الكثير من جوانب الضعف الأخرى في معلومات ترامب.
فقبل لقائه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في العاصمة الفنلندية هلسنكي، يقال إن ترامب تساءل عما إذا كانت فنلندا «شبه تابع لروسيا».
ويقول بولتون إن جلسات المعلومات الاستخبارية التي يحضرها ترامب «لم تكن مفيدة» لأنه في معظم المناسبات «يتكلم أكثر من الخبراء في أمور لم تكن لها علاقة إطلاقا بالمواضيع قيد النقاش».
كان على وشك الانسحاب من حلف الأطلسي
كان ترامب ومازال من أشد المنتقدين لحلف شمال الأطلسي «الناتو»، ويطالب أعضاء الحلف الآخرين بزيادة نفقاتهم العسكرية.
ولكن بالرغم من ذلك مازالت الولايات المتحدة من الدول الأعضاء في الحلف، إلا أن بولتون يقول إن ترامب كان مصمما على الانسحاب منه في قمة للحلف عقدت في عام 2018.
وقال ترامب آنئذ، وحسب ما يقول بولتون، «سننسحب ولن ندافع عن أولئك الذين يرفضون دفع ما عليهم».
غزو فنزويلا سيكون «شيئاً جميلاً»
تعد فنزويلا من مصادر الإزعاج الرئيسية بالنسبة للسياسة الخارجية الأميركية، خصوصا أنها تقع في فنائها الخلفي وواحدة من دول أميركا اللاتينية، إذ تعارض واشنطن بقوة رئيسها نيكولاس مادورو.
وقال ترامب أثناء نقاش في الموضوع إنه سيكون من «الجميل» غزو فنزويلا، وإن فنزويلا هي «في الحقيقة جزء من الولايات المتحدة».
ويقول بولتون في كتابه إن «نموذجا رائعا للدعاية على النمط السوفيتي» جرى في مكالمة هاتفية أجراها ترامب مع الرئيس الروسي بوتين في مايو 2019، شبه فيها بوتين زعيم المعارضة الفنزويلية خوان غوايدو بمنافسته الديموقراطية هيلاري كلينتون التي نافست ترامب في انتخابات 2016، وهي حجة «تقبلها ترامب إلى حد بعيد».
وكان هدف بوتين الدفاع عن حليفه الرئيس مادورو حسب ما يقول بولتون. وفي عام 2018، صنف ترامب الرئيس اليساري مادورو بأنه ديكتاتور وفرض عقوبات على فنزويلا، ولكن مادورو مازال متمسكا بالحكم. ويقول بولتون في مقابلة أجرتها معه شبكة «أي بي سي» تبث غدا إنه يعتقد «أن بوتين يعرف بأن بإمكانه العزف على أوتار ترامب كما تعزف الكمان». وأشار إلى أن ترامب غير كفؤ لمقارعة بوتين القادر على التلاعب به.
بناء معسكرات اعتقال الإيغور
أثارت معاملة الصين لأقلية الإيغور المسلمة لها انتقادات دولية، إذ يعتقد أن نحو مليون من أفراد هذه الأقلية محتجزون حاليا في معسكر اعتقال ضخك بإقليم شينجيانغ.
ورغم أن ترامب صادق قبل أيام على قرار بفرض عقوبات على مسؤولين صينيين متورطين في احتجاز الإيغور، وهو ما أثار غضب الصين، إلا أن بولتون يقول في كتابه إن ترامب رحب بالإجراءات الصينية، عندما دافع الرئيس شي عن بناء معسكرات الاحتجاز تلك.
ويضيف: «حسب مترجمنا، قال ترامب إن على شي المضي قدما في بناء معسكرات الاحتجاز، وهو أمر وصفه الرئيس الأميركي بأنه الشيء الصحيح الذي ينبغي فعله».
محاباة الزعماء الديكتاتوريين
ليس الرئيس الصيني الزعيم المتسلط الوحيد الذي يتهم بولتون ترامب بالتزلف له. فقد كان ترامب راغبا في التدخل في التحقيقات القضائية «لمحاباة الديكتاتوريين الذين يحبهم». وحسب ما كتب بولتون في كتابه، عرض ترامب على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مساعدته في عام 2018 في التحقيق الذي كان يجري في الولايات المتحدة حول شركة تركية متهمة بانتهاك العقوبات المفروضة على إيران.
وأوضح مستشار الأمن القومي السابق أن ترامب وافق على «معالجة الأمور»، قائلا إن المسؤولين الذين كانوا يديرون التحقيق هم من «أتباع أوباما». كما اغدق ترامب المديح على الرئيس الصيني ذات مرة قائلا له «أنت أكبر قائد صيني منذ 300 عام». بحسب كتاب بولتون. وهذه المغازلة مع خصم يعتبره معسكره الجمهوري زعيما مستبدا تضاف، بحسب بولتون، إلى إهمال ملحوظ للدفاع عن حقوق الإنسان.
أين أخطأ الديمقراطيون في معركة عزل ترامب؟
ويؤكد بولتون في كتابه الادعاءات التي دفع بها الديمقراطيون حول سعي ترامب إلى وقف المساعدات العسكرية الأميركية لأوكرانيا من أجل إجبارها على التحقيق في خصمه السياسي (الديموقراطي) جو بايدن، وهو الأمر الذي دفع الديمقراطيين إلى الشروع في إجراءات عزله في ما كان يعرف بقضية «اوكرانيا غيت». لكن ترامب نجا من المحاكمة بدعم حزبه الجمهوري.
وينتقد بولتون في كتابه الديمقراطيين، ويقول إنهم «أساءوا إلى عملية العزل» بتركيزهم على أوكرانيا دون غيرها من الأمور. ويقول إنه لو وسع الديمقراطيون نظرتهم لاقتنع العديد من الأمريكيين بضرورة عزل ترامب لارتكابه «الجرائم والجنح الكبرى» التي تقتضي إزاحته. ويقول لو أخذ الديموقراطيون «الوقت للتحقيق بشكل منهجي أكثر بشأن سلوك ترامب في كل سياساته الخارجية، لكان يمكن أن تكون نتيجة توجيه الاتهام مختلفة تماما». ولكن بولتون لم يقل إن الادعاءات الجديدة التي يوردها تقتضي عزل ترامب.
وفي هذا الملف بالتحديد تعرض بولتون لوابل من انتقادات الديموقراطيين كونه رفض الإدلاء بشهادته في جلسات عزل ترامب أمام مجلس النواب في العام الماضي، ومنع من المثول أمام مجلس الشيوخ من أعضاء المجلس الجمهوريين.

بومبيو يفند «أكاذيب الخائن»: كنت في الغرفة أيضاً
عواصم - وكالات: انضم وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى رئيسه دونالد ترامب في المعركة التي يشنها على مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون الذي يستعد لنشر كتاب «الغرفة حيث وقع الحدث: مذكرات من البيت الابيض» الذي ينتقد فيه الرئيس بشدة واصفا إياه بغير الأهل للمنصب.
وقال وزير الخارجية الاميركي في بيان حمل عنوان «كنت في الغرفة أيضا»، في إشارة إلى عنوان كتاب بولتون إنه «من المحزن والخطير في آن، أن يكون الدور العام الأخير لجون بولتون هو دور الخائن الذي أضر بأميركا عندما انتهك الثقة المقدسة بينه وبين شعبها».
وأضاف بومبيو أنه لم يقرأ الكتاب، «لكن من المقتطفات التي رأيتها منشورة، ينشر جون بولتون عددا من الأكاذيب، وأنصاف حقائق كاملة، وأكاذيب صريحة».
واختتم وزير الخارجية الأميركية بيانه برسالة، قال فيها، «لأصدقائنا في جميع أنحاء العالم: أنتم تعلمون أن أميركا الرئيس ترامب هي قوة للخير في العالم».