بيروت - جويل رياشي
«كان يا مكان في قديم من الزمان»، خالد النعنع يجلس في مكتبة الحلبي البيروتية، وحوله تحلق 5 أطفال يستمعون بشغف ويتابعون بانتباه حركاته واختلاف طبقات صوته، وهو يروي على مسامعهم قصة يارا، الساحرة الصغيرة التي دخلت المدرسة وهي في اليوم الثالث من العمر.
يندرج هذا النشاط في إطار «وقت الحكاية» الذي تنظمه «مؤسسة الفكر العربي» لمناسبة شهر رمضان بهدف تعريف الأجيال الناشئة على دور الحكواتي الشعبي وتعزيز مكانة اللغة العربية من خلال السرد القصصي.
ينفذ النشاط بالتعاون مع مكتبة الحلبي في منطقة قصقص ببيروت كل جمعة وسبت عند الساعة الرابعة، مع بث مباشر عبر المنصات الافتراضية. وتبقى الحلقات المصورة متوافرة على قناة يوتيوب الخاصة بالمؤسسة للراغبين في مشاهدتها لاحقا.
على هامش الفعالية كان لـ «الأنباء» دردشة مع الحكواتي النشيط خالد النعنع الذي حدثنا عن فن (أو حرفة) الحكواتي عموما، الذي أفاد من الفضاء الإلكتروني بعد الجائحة الصحية لتحقيق انتشار أوسع.
من هو الحكواتي وهل هي مهنة قائمة بذاتها؟
يؤكد النعنع أن «الحكواتي هو أي شخص قادر ان يحكي حكاية»، بكل بساطة. لكن أدواره اختلفت عبر التاريخ: «أحيانا هو صلة الوصل بين الماضي والحاضر والمستقبل، وأحيانا يكون وسيلة للمتعة والتسلية، وأحيانا يكون الواعظ او المعلم. أدواره تتعدد ولكن الأكيد انه كان ولايزال يتولى مسؤولية حمل التراث ونقل الحكايات الشفهية من جيل إلى آخر». ويضيف: «هي مهنة قائمة بحد ذاتها في حال استطاع الحكواتي أن يعتاش منها. نرى مثلا حكواتيين في كندا وأوروبا محترفين كليا، اي انهم لا يعملون في مهنة أخرى، على عكس الدول العربية، حيث الأمان الوظيفي مفقود، وعلى الحكواتي ان يبحث عن مصدر رزق ثان ليضمن استمراريته».
أكثر من ١٤ سنة مرت على النعنع وهو يروي القصص: «لم أقرر ان أكون حكواتيا، لكنني وجدت نفسي ذات يوم في ورشة عمل أحياها الحكواتي اللبناني العالمي جهاد درويش الذي اكتشف موهبتي وشجعني على الدخول في هذا المجال، فوجدتني التزمته منذ أكثر من ١٤ عاما».
على عكس ما يظنه البعض، «الحكواتي ليس حكرا على شهر رمضان». ويشير النعنع في هذا الإطار بالقول: «نحن نعمل كل السنة. لكن الروحانيات الخاصة بشهر رمضان تجعل الناس تعود أكثر الى التراث والعادات والتقاليد».
يعمل النعنع على مدار السنة ويشارك في مناسبات عديدة ضمن مهرجانات ثقافية، ويحمل فنه أيضا الى تلامذة المدارس، وكذلك يقدم حلقات تلفزيونية تسجل مشاهدات واسعة.. وهو شاهد على «غرام الأولاد بالحكايات» والدليل أنه ما ان يبدأ بالسرد حتى يتسمر الأولاد ويركزون على تعابير وجهه ويتفاعلون معه ويستمتعون بما يقدمه لهم. للأطفال علاقة خاصة بالحكواتي يعمل النعنع على الاستثمار فيها.
ولا يعتبر النعنع المفردات الصعبة نسبيا، التي قد يستخدمها في إطار سرده القصصي، عائقا: «المهم أن يفهموا المعنى وان يتعرفوا إلى اللغة العربية بغير الطريقة المدرسية التي تكون أحيانا مملة مع الأسف».