بيروت ـ عمر حبنجر
فقدت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي تماسكها امس ولاول مرة منذ تشكيلها بسبب اختلاف وجهات النظر بين اعضائها حيال ازمة النزوح الجماعي من سورية الى لبنان.
وهم رئيس الحكومة بمغادرة قاعة مجلس الوزراء في القصر الجمهوري بعد جدال عنيف مع وزراء تكتل العمال ميشال عون الذين ركبوا موجة رفض النازحين من باب المزايدة السياسية على ابواب الانتخابات التشريعية، متخطين حجم امكانيات الدولة على الرفض سياسيا وانسانيا وحتى امنيا في ظل الحدود المشرعة بين البلدين، لكن بعض الوزراء لحقوا برئيسهم واعادوه الى القاعة.
على ان عودة ميقاتي الى طاولة مجلس الوزراء لم تنقذ الخطة التي اعدتها اللجنة الوزارية برئاسة ميقاتي لاستيعاب موضوع النازحين، حيث افضى تحفظ وزراء عون الى استبدال الخطة باجراءات امنية واغاثية.
في الجلسة التي امتدت الى ساعة متقدمة من مساء الخميس، طرح وزير الداخلية مروان شربل وللمرة الاولى انشاء مخيمات للنازحين السوريين والفلسطينيين من سورية في منطقة عكار والبقاع وتضمنت خطة شربل، كما عرضتها «النهار»: تشكيل خلية ازمة مؤلفة من مندوبين عن قوى الامن الداخلي والامن العام ووزارة الصحة ووزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة التربية وانشاء مراكز تجمع او مخيمات في البقاع وعكار، فوق اراض يتم استئجارها، ولا تقل مساحتها عن 25 الف متر مربع، داخلها مصدر للمياه، وتسويرها بالسياج وتزويدها ببيوت جاهزة على غرار الحاصل في الارن وتركيا، وتأمين مياه الشفة الى جانب مستوصف صحي في كل مخيم مع اطباء وادوية.
ولدى عرض هذه المقترحات انقسم مجلس الوزراء بين فريقي تكتل التغيير والاصلاح والوزراء الآخرين جميعا بمن فيهم وزراء امل وحزب الله الذين رفضوا اقتراحا لحلفائهم العونيين باقفال الحدود مع سورية ووقف النزوح الى لبنان.
وهكذا عجزت الحكومة عن تمرير خطتها لاستيعاب النازحين بتأثير مزايدة اختلط فيها السياسي بالعنصري والانتخابي، بينما كان المطلوب مقاربة هذا الموضوع بذهنية قومية واخلاقية وانسانية منذ عشرين شهرا كما فعلت دول الجوار السوري الاخرى.
وذكرت مصادر وزارية ان الرئيس ميشال سليمان توجه الى الوزير جبران باسيل بالقول له: كفى مزايدة مسيحيا.. كفى!
وقال وزير وسطي لـ «الأنباء» ان الوزير باسيل لم يدرك بعد ان النظام السوري الذي يدافع عنه سيرحل.
وزير السياحة فادي عبود عضو كتلة التغيير والاصلاح رفض اتهام موقف وزراء الكتلة بالعنصري، وقال: النازح يتعرض لمعاملة غير انسانية، لأننا لا نستطيع ان نؤمن له السكن ولا الطبابة ولا الغذاء، لسنا قادرين على تأمين خيمة او حبة دواء، ولماذا لا يصفون تركيا والاردن اللتين وضعتا سقفا للنازحين بالعنصرية؟
عبود نفى ان يكون باسيل طرح إقفال الحدود أو ترحيل النازحين.
رئيس الحكومة نجيب ميقاتي نفى علمه بمؤتمر توقعت فكتوريا نولاند الناطقة بلسان الخارجية الاميركية انعقاده في بيروت منتصف الشهر الجاري للبحث بموضوع النازحين السوريين، وقال لصحيفة «السفير»: لم نتبلغ شيئا من هذا حتى الآن.
وعن مناقشات مجلس الوزراء وما حصل خلالها بينه وبين وزراء كتلة عون، قال: النقاش كان حيويا وجيدا وما استطعت ان اقوله هو اننا معنيون بملف النازحين ببعديه الانساني والاخلاقي، وبالتالي سنباشر متابعة ما تقرر في مجلس الوزراء، لاسيما لناحية تسجيل النازحين.
وزير الشؤون الاجتماعية وائل ابو فاعور قال ان اقفال الحدود امام النازحين طرح في جلسة مجلس الوزراء من قبل عدد من الوزراء، فرد عدد آخر من الوزراء بالرفض، لأن هذا الامر بصرف النظر عن الاعتبارات الانسانية والاخلاقية والقومية غير قابل للتطبيق، ولا اعتقد ان اي مسؤول يستطيع ان يقف على الحدود ويقول لعائلة سورية هاربة من الموت ممنوع عليك الدخول الى لبنان.
واضاف: هذه مسألة ضميرية اكثر منها سياسية، علما ان اكثر من رأي طرح وخلص الجميع الى ان اغلاق الحدود معناه تعزيز العبور غير الشرعي.
وسجل في الجلسة مناقشات استمرت ست ساعات وانتهت باقرار اجراءات لمعالجة الازمة والتي اعترض عليها وزراء التكتل والاصلاح والوزير نقولا فتوش، بينما وصف الوزير جبران باسيل قرارات الحكومة بأنها مجموعة اجراءات لم ترق الى خطورة الموضوع بالجدية المطلوبة.
وانقسم مجلس الوزراء بين فريقي التكتل وبين جميع الوزراء الآخرين بمن فيهم وزراء امل وحزب الله، الذين لم يجاروا حلفاءهم وزراء عون باغلاق الحدود مع سورية ووقف النزوح.
وتصدى الرئيس سليمان والرئيس ميقاتي لهذا الطرح، وتوجه الرئيس سليمان الى الوزير باسيل وزملائه بالقول: كفى مزايدات مسيحية.
وابرز ما تمخضت عنه جلسة مجلس الوزراء هو الاتفاق على حث الدول المانحة على تنفيذ وعودها ودعوة الجامعة العربية الى اجتماعات لشرح واقع النزوح، وقيام الدولة بتسجيل النازحين ضمن معايير تضمن حماية واغاثة النازح الفعلي واطلاق حملة فعلية لحث الدول على تقاسم الاعباء مع لبنان.
في هذا السياق، اشارت صحيفة «المستقبل» الى تقرير امني يتضمن ان النظام السوري ارسل مجموعات مسلحة الى لبنان تحت شعار النازحين لتنفيذ مهام لم تعرف طبيعتها، وهي انتشرت خلال الايام القليلة الماضية في مناطق لبنانية عدة، في خيم ومقار يقطنها النازحون السوريون، واضافت الصحيفة ان المجموعات المسلحة المؤيدة للنظام السوري وصلت الى لبنان خلال هذا الاسبوع وتوزعت في مناطق في البقاع والشمال وكسروان وجبيل والبترون، وتزامن وصول هؤلاء مع حملة اطلقها العماد ميشال عون والسفير السوري علي عبدالكريم علي الى جانب حملة استباقية بدأها وزير الدفاع فايز غصن الذي اعلن امس ان تزايد عدد النازحين قد يشرع نوافذ امنية يتسلل منها المسلحون والارهابيون للدخول الى لبنان والعبث بأمنه.
ويترافق ذلك مع دعوة مسؤول الحزب العربي الديموقراطي في طرابلس (جبل محسن) رفعت عيد الى دمشق منذ يومين، حيث التقى بالعميد حافظ مخلوف، ما يخشى معه اعادة التوتر الى محور التبانة ـ بعل محسن، بهدف تأجيج الاوضاع الداخلية، تخفيفا للضغوط على النظام السوري وصولا الى اقفال الحدود لغاية وقف زحف النازحين.