Note: English translation is not 100% accurate
لبنان: تهديدات خطيرة للانتظام العام
27 سبتمبر 2014
المصدر : الأنباء
بيروت ـ د.ناصر زيدان
أرخت مواقف وتصريحات وجولات قيادات لبنانية اساسية بعض الاجواء الايجابية على مساحة التلبد السياسي في لبنان، ولكن مستوى التحديات يتعاظم مع دخول عوالم سلبية جديدة، تضاف الى المعطيات الموجودة التي يتخبط بها وطن الارز.
تصريحات القيادات الروحية كافة تحض على التعاون والشراكة، وخطابات القيادات السياسية تنبه من مخاطر الانزلاق الى الفتنة، وتؤكد على دعم الجيش، ذلك كان موقف الرئيس سعد الحريري بعد احداث الخطف في البقاع، وفي السياق ذاته جاءت مواقف النائب وليد جنبلاط في جولته الأخيرة على منطقة العرقوب والبقاع الجنوبي، وخطاب السيد حسن نصر الله حمل تطمينات كبيرة، وتميز بهدوء وواقعية، وفرقاء النزاع المختلفون على انتخاب رئيس جديد للجمهورية يتحاورون يوميا في اروقة مجلس النواب على ملفات حياتية ملحة، وقد يفضي حوارهم الى اقرار سلسلة الرتب والرواتب، واصدار تشريعات مالية، تنقذ مؤسسات الدولة من الانسداد القانوني الذي يواجه مجموعة من الاستحقاقات الملحة.
يكاد الحراك المتفلت الذي تقوم به بعض المجموعات من المواطنين ـ والذي يستهدف قطع بعض الطرقات الرئيسية، ويقفل ابواب مؤسسات حيوية في البلاد ـ ان يخرج عن السيطرة، ويكاد يهدد الانتظام العام في الدولة.
من حق أهالي العسكريين ـ الذين اختطفتهم داعش وجبهة النصرة من عرسال الشهر الماضي ـ ان يتحركوا من أجل الإفراج عن ابنائهم، ومشاعر الابوة والأمومة والأخوة عند هؤلاء لا يدركها الا من وقع في مثل تلك المعصية الصعبة، خصوصا في مثل هذه الاجواء القاسية التي لم يسبق لها مثيل، عنيت تهديد الخاطفين بذبح الأسرى. ولو كان الخاطفون يتحلون بمشاعر انسانية لما اقدموا بالاساس على خطف الجنود، وهؤلاء الجنود كانت مهمتهم الاساسية حماية النازحين السوريين في عرسال وجوارها، وتأمين مقومات الحياة لهم. والخاطفون يحضون الاهالي على قطع الطرق وتعطيل الحياة العامة في لبنان للضغط على الدولة، ويتلاعبون بمشاعرهم وعواطفهم الانسانية، من دون ان يقدم هؤلاء الخاطفون مطالب محددة للدولة مقابل الافراج عن الرهائن.
القيادات اللبنانية بمعظمها ابدت الاستعداد للتفاوض مع الخاطفين، لدرجة الموافقة على التبادل مع ارهابيين موقوفين او محكومين في سجن رومية، ولكن الوتيرة التي يعمل بها الخاطفون لا تشير الى نية جدية لانهاء المشكلة بقدر ما تهدف الى الابتزاز لتعطيل الدولة، وإحداث البلبلة والاضطراب، واستهداف الجيش، وبرز ذلك من خلال بعض العمليات الأمنية التي استهدفت جنودا على الطرقات من قبل عناصر مرتبطة بالمجموعات الخاطفة للعسكريين.
السؤال الذي يطرح نفسه في الأوساط السياسية والشعبية اللبنانية، هل المطلوب ثمن محدد يدفع للخاطفين مقابل الافراج عن العسكريين؟ أم المطلوب إرباك الدولة وشل البلاد، واغراق الساحة اللبنانية بالفوضى التي تسود المنطقة العربية المحيطة برمتها؟
أهالي العسكريين المحقون في المطالبة بالافراج عن ابنائهم مطالبون هم ايضا بألا يقوموا بأعمال قد تعقد مصير ابنائهم، أو تشكل خطرا على حياتهم، من خلال مطالبة الدولة بالمسارعة والتهور الذي قد لا يفيد القضية الانسانية. فالعملية العسكرية الواسعة على جرود عرسال ربما تُعرض حياة المختطفين للخطر، أما فتح ابواب سجن رومية من دون حسابات قانونية، ومن دون تأكيدات جدية على نوايا الخاطفين، يمكن أن تأتي بنتائج معكوسة ليست لمصلحة الأسرى.
ويترافق مع ظاهرة قطع الطرق من قبل أهالي العسكريين، مظاهر تفلت أخرى تهدد الانتظام العام. فالمياومون العاملون في مؤسسة كهرباء لبنان يتعرضون يوميا لأهم طريق حيوي في البلاد، ويقطعون جادة الدورة، منفذ بيروت الشمالي. والذين يعترضون على انقطاع التيار الكهربائي يعمدون الى إشعال الاطارات على طرقات رئيسية في بعض المناطق، كما أن الذين يرغبون في التضامن مع الجيش تأييدا، يقومون بذلك على الطرقات، ويحجزون المواطنين ساعات في سياراتهم. اضافة الى كل ذلك، فإن الحرب الباردة القائمة بين بعض المجموعات السياسية (او المذهبية) تحصل على الطرقات الرئيسية، فتعمد كل من هذه المجموعات الى قطع الطرق بالإطارات في وجه المجموعات الأخرى عند كل حدث.
ويشعر المراقبون بأن الانتظام العام في لبنان مهدد على شاكلة واسعة، وتكاد بعض الاعمال ان تخرج عن السيطرة، لاسيما في حالة الضائقة التي يعيشها المواطنون من جراء الانطباق الاقتصادي الخانق على مصالحهم المالية المهددة. والانتظام العام هو العمود الفقري لاستقرار الدولة، فإذا ما تعرض هذا الانتظام للخطر، فقدت البلاد المناعة التي تحميها في مواجهة الازمات المتعددة، وبالتالي يمكن لفقدان المناعة الوطنية ان يحمل مصاعب لا يمكن مواجهتها، لكون الطريق الوحيد لمواجهة المخاطر الوطنية هو الدولة ومؤسساتها الامنية والمدنية، وفي مقدمتها الجيش.
المعلومات المتوافرة عند أوساط سياسية نافذة لا ترى أن الاوضاع مقبلة على الانفلات في لبنان، ولكن امكانيات الانزلاق الى مهالك الفوضى قائمة، إذا لم يستدرك المواطنون بالدرجة الأولى ان غرق الموكب يصيب الجميع. والمسؤولون السياسيون الذين يتخذون المواقف التي تُساهم في مفاقمة التوتر، ربما سيدفعون اكثر من غيرهم ثمن الفوضى.