بيروت ـ عمر حبنجر
بمعزل عن اللغة الجارحة التي استخدمت في الحملات الانتخابية، نفذ لبنان امس اهم خياراته المنتظرة منذ 9 سنوات، حيث جمدت الديموقراطية في ثلاجة الحياة النيابية وفرض التمديد لمجلس النواب ثلاث مرات، واحتل النواب المنتخبون لدورة من 4 سنوات مقاعدهم لسنوات 5 اضافية من دون وجه حق وبوكالة ذاتية عن انفسهم لأنفسهم.
وحبس الانفاس يشمل جميع القوى الاساسية المنخرطة في العملية الانتخابية، فالتيار الوطني الحر الحاكم بموجب تفاهمات معقودة مع حزب الله وتاليا مع تيار المستقبل وبنسبة ما مع القوات اللبنانية قلق على حجمه ووزنه في الدوائر المسيحية التي ارادها ان تكون صافية، تحت نظرية «صحة التمثيل»، وامامه حليف قوي هو حزب الله ومنافس قوي هو القوات اللبنانية، وحزب الله ومعه حركة امل يحبسان الانفاس في دائرة بعلبك ـ الهرمل، حيث ساد القلق من ان يتجاوز الخرق المقعدين السني والماروني الى احد المقاعد الشيعية للائحته هناك.
وبالنسبة لتيار المستقبل القلق اعظم، فهذا التيار قاد معركة اثبات انه لا يزال الاقوى وان الازرق مازال لون الزعامة السنية، الا انه اصطدم بمتغيرات واضحة على مستوى المزاج السني المتخوف من ارتدادات «التسوية السياسية» التي ترعى الحكم الراهن في لبنان، وما ترتب على هذه التسوية من تنازلات طالت قوة وفعالية موقع رئاسة الحكومة، وهو ما جعله المعارضون شعار معركتهم الانتخابية في طرابلس العاصمة الثانية للبنان وموئل السنة فيه الى جانب العاصمة الاولى بيروت.
المستقبل خاض معركته الانتخابية تحت عنوان منع حزب الله من فرض هيمنته على بيروت وغير بيروت، ومن موقع المتحالف مع حلفاء حزب الله ـ اي امل والتيار الوطني الحر ـ وهذا ما استقوى به منافسوه في جميع الدوائر، خصوصا الرئيس نجيب ميقاتي والوزير اللواء اشرف ريفي في الشمال، وفؤاد المخزومي وصلاح سلام وقوى الحراك المدني في بيروت.
عمليا، استطاع الرئيس سعد الحريري من خلال حملته الانتخابية في الايام الاخيرة استنفار كل القوى ذات التأثير الشعبي كدار الفتوى وائمة المساجد لتحشيد الجمهور، لكن يبقى المعيار في النتائج، ففوز تسعة من السنة المرشحين على لوائح حزب الله او اللوائح المدعومة من الحزب من اصل 27 نائبا سنيا كما كان يتوقع الحزب وحلفائه يشكل مشكلة لتيار المستقبل وتصبح المشكلة اعظم اذا حصلت اختراقات للوائح الحزب في طرابلس وفي بيروت، الامر الذي يضع احادية زعامة المستقبل للسنة في لبنان علامة استفهام، في حين تبقى راية الحزب التقدمي الاشتراكي مرفوعة في الجبل، في الشوف وعاليه والبقاع الغربي وبعبدا، رغم احتمالات تراجع التمثيل المسيحي في كتلة اللقاء النيابي الديموقراطي الممثلة لحزب وليد جنبلاط في المجلس الجديد برئاسة نجله تيمور.
الحصيلة الفعلية لهذه الانتخابات تتبلور عمليا من خلال تشكيل الحكومة العتيدة، ففي 20 الجاري تنتهي ولاية المجلس الحالي لتبدأ ولاية المجلس الجديد، لتتحول الحكومة الحالية الى تصريف الاعمال، فيما يباشر رئيس الجمهورية مشاوراته الملزمة لتكليف رئيس يشكل الحكومة الجديدة، ومؤكد ان الرئيس سعد الحريري سيكون هو المكلف بتشكيلها انسياقا مع «التسوية السياسية» مع التيار الوطني الحر وحلفائه، لكن مقياس الجدارة يبقى في توزيع الحقائب الوزارية وفي البرنامج السياسي للحكومة وما يتضمنه من وعود انتخابية قابلة للتنفيذ.