المشهد الذي اجتاح شوارع بيروت والمناطق ليل اول من امس يذكر بالمشهد الذي استجد فجأة ليل 17 أكتوبر الماضي عندما نزل اللبنانيون بالآلاف الى الشارع وكانت الشرارة ما عُرف بـ «ضريبة الواتساب» ، وصبوّا جام غضبهم على حكومة الرئيس سعد الحريري الذي لم يجد أمامه إلا خيار الاستقالة والانسحاب بعد محاولات لاحتواء الغضب الشعبي، وكان أبرزها إعلان ورقة الإصلاح والإنقاذ الاقتصادية.
وليل 11 يونيو نزل اللبنانيون الى الشارع وبأعداد هي الأكبر منذ أكتوبر، والشرارة هذه المرة كان «الدولار» الذي «حلّق» خارقا سقف 7 آلاف ليرة ، وهذا الارتفاع المذهل نجم عنه انفجار الشارع الذي يختزن كل عناصر الانفجار ولا تنقصه إلا «الصاعق المفجّر».. فمن جهة لم يعد لدى الناس إمكانية وطاقة الصمود والتكيّف مع أزمة مالية استنزفت قدراتهم واستنفدت مدخراتهم، واستحالت سريعا الى انهيار مالي ونقدي واحتضار لكثير من المؤسسات والقطاعات.. ومن جهة ثانية، سقطت الحكومة في امتحان الثقة الشعبية بعد مرور أكثر من مائة يوم. ومع أنها أظهرت اجتهادا ومواظبة في العمل إلا أنها لم تحقق إنجازات ملموسة تنعكس إيجابا على وضع المواطنين. وباستثناء النجاح الذي أحرزته مع إدارة أزمة «كورونا»، فإن الحكومة لم تنجح في إثبات أنها حكومة تكنوقراط مع انكشاف تبعيتها السياسية واستمرار المحاصصة والتلكؤ في الإصلاحات، انطلاقا من ملف الكهرباء والتذبذب في القرارات الحكومية، والأداء المرتبك في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. يضاف الى ذلك الإخفاق في إدارة الانهيار في ظل أفق مسدود وتفلتّ الأسعار وعدم كبح جموح الدولار، والتعامل الأمني مع ملف الصرافين.. كل ذلك ساهم في استفزاز مشاعر المواطنين وإغضابهم ودفع بهم الى الشارع، في حركة احتجاجية طغى عليها الطابع العفوي، ولكن مع وجود جهات متربصة ممسكة بخيوط اللعبة وباتت لديها خبيرة في تحريك الشارع والتعامل معه وتوظيفه سياسيا. ليلة 11 يونيو تختلف عن ليلة 17 اكتوبر.. قبل أشهر كان التصويب على الطبقة السياسية هو الأقوى، وكان شعار مكافحة الفساد هو الأبرز، وكان إسقاط الحكومة هو الهدف.. ليل اول من امس بدا أن سقف المطالب انخفض من الإصلاح ومكافحة الفساد الى مكافحة الجوع والفقر والغلاء وارتفاع الدولار، وأن التصويب حصل في اتجاهين:
٭ في اتجاه «حكومة دياب» بعدما فشلت في الامتحان واستهلكت فرصتها وفترة السماح التي أعطيت لها. وساد اعتقاد أن سيناريو إسقاط الحكومة في الشارع المشتعل يتكرر من جديد، وأن دياب الذي جهد في كسب ثقة «الثورة» والتودد إليها صار هدفا لها، وأن مثلث «عين التينة - بيت الوسط - كليمنصو» الذي نشطت حركة الاتصالات واللقاءات فيه في الأيام الأخيرة، جاءته الفرصة التي يتحينها لإزاحة دياب وإعادة الحريري.. ولكن هذا الاعتقاد لم يدم طويلا مع دعوة دياب الى جلسة طارئة للحكومة على دفعتين في السرايا وفي قصر بعبدا، والإيحاء أن قرارات مهمة ستصدر عنها.
٭ في اتجاه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة. فالمظاهرات التي سجلت مشاركة واسعة لجمهور الضاحية الجنوبية بدت مسيرة في خطين: خط التفاعل مع الانتفاضة الشعبية خارج الضاحية ومحو الآثار والذيول المذهبية ليوم 6 يونيو.. وخط الضغط على مصرف لبنان والمصارف، في وقت كان يجري بث أخبار بشأن جهوزية قرار إقالة سلامة في جلسة الحكومة امس، وكان يجري التمهيد لهذا القرار شعبيا وسياسيا.
ما يجري في الشارع هو الوجه الآخر لمواجهة مفتوحة بين رئيس الحكومة وحاكم مصرف لبنان. هذه المواجهة تكشفت في محطات وملفات عدة آخرها «موضوع الدولار وسعر الصرف، وقبلها المفاوضات مع صندوق النقد الدولي بأرقام مختلفة، والخلاف حول الخطة الحكومية.. وهذه المواجهة تعكس تبدلا في طبيعة «المعركة» التي كانت سياسية بحتة في السنوات الماضية بين فريقي 8 و14 آذار، وأصبحت اقتصادية مالية تدور بشكل أساسي بين رئيس الحكومة مدعوما من حزب الله وحاكم مصرف لبنان مدعوما من المصارف والهيئات الاقتصادية.. وكان دياب بادر الى افتتاح هذه المعركة أو إخراجها الى العلن، عندما خرج عن المألوف متهما سلامة وواصفا تصرفه بالمريب، ورد عليه حاكم مصرف لبنان بمطالعة مالية نقدية قانونية.. في الواقع كان دياب يفتتح معركة إخراج سلامة، بدفعه الى الاستقالة أو بإقالته.. على خلفية شكوك تساور رئيس الحكومة إزاء إحجام سلامة عن التدخل لضبط سعر الصرف وتواطئه في لعبة الضغوط على الحكومة لإسقاطها في الشارع.. ولكن سلامة لم يظهر أي استعداد للاستقالة وقرر مواجهة «مشروع تحميله مسؤولية الانهيار».. في حين أن إقالته اصطدمت بعوائق داخلية إذا وضعنا الموقف الأميركي جانبا. فالرئيس نبيه بري كشريك أساسي في الحكومة لم يتردد في توفير الحماية لسلامة، ويلاقيه سعد الحريري ووليد جنبلاط من خارج الحكومة. من بين الأسباب التي أعطاها بري لتبرير تمسكه بسلامة في الجولة الأولى هو عدم إجراء التعيينات المالية في مصرف لبنان والخشية من الوقوع في الفراغ.. ولكن التعيينات صدرت وصار للحاكم نواب أربعة، ولم يعد هناك خشية من حدوث شغور في مركز الحاكمية، إذ يقوم نائب الحاكم الأول مقام الحاكم وتصريف الأعمال الى حين تعيين حاكم أصيل، ومثل هذا التعيين يحتاج الى توافق سياسي ليس متوافرا حتى الآن.
احتدام المواجهة بين الحكومة ومصرف لبنان يدل في نظر البعض الى أن الوضع لم يعد يحتمل الاستمرار على هذا النحو، وصار يفرض سقوط واحد من اثنين دياب أو سلامة وخروج أحدهما من المعادلة كي يستمر الآخر.. ولكن الرأي عند البعض الآخر مخالف ويتوقع استمرار المساكنة الصعبة بين الطرفين واستمرار الانهيار من دون قعر مالي ومن دون أفق سياسي.