Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
الإستراتيجية الأميركية بين الثوابت والمتغيّرات.. أول خرق في العراق لمبدأ عدم إرسال قوات برية وانتكاسة في سورية
11 نوفمبر 2014
المصدر : بيروت
الخطوط العريضة للاستراتيجية والخطة الأميركية في محاربة تنظيم «داعش» ثابتة وتتشكل من أربع نقاط: أولا: ضربات جوية على معاقل تنظيم «داعش». ثانيا: دعم القوى التي تحارب على الأرض ومتابعة البحث عن حل سياسي للأزمة السورية. ثالثا: استعمال «قدرات أميركا الهائلة» في محاربة الإرهاب للحؤول دون تمكن التنظيم من شن هجمات ولتجفيف مصادر تمويله. رابعا: مساعدة المدنيين الأبرياء الذين هجرهم مسلحو «داعش».
الأمر اللافت الأول في هذه الخطة هو التغير الاستراتيجي في سياسة أوباما الخارجية. فخلال السنوات الست الأولى من عهده حاول جاهدا عدم إدخال أميركا في حروب جديدة، ليس فقط لأنه يتفادى اتخاذ القرارات الصعبة كما أصبح معروفا عنه، بل أيضا لأن الشعب الأميركي، كعادته بعد الحروب الطويلة كحرب أفغانستان وحرب العراق، طغت عليه الرغبة الانعزالية التي تجاوبت مع طبيعة أوباما المترددة.
حصل تطوران داخليان في الولايات المتحدة:
- أولا: انقلب الرأي العام الأميركي من غالبية ترفض التدخل الى غالبية تؤيده، فبينما كانت الاستطلاعات تدل على ان ما بين 60 و70% يرفضون الحرب في العراق وسورية، انقلبت هذه الارقام الى اكثر من 60% يوافقون على ضرب التنظيم، وإن من الجو فقط، وما يقارب الـ 90% يعتبرون ان «داعش» و«خراسان» (القاعدة) يشكلان خطرا محدقا على الأمن القومي الاميركي نتيجة للتغطية المثيرة لهما في الاعلام الاميركي.
- ثانيا: تصاعدت حدة الضغوط على أوباما للتدخل ضد تنظيم «داعش» من جانب القيادات الجمهورية والديموقراطية في آن واحد، خوفا من وصول إرهاب التنظيم إلى الولايات المتحدة، علما أن الاستطلاعات دلت على أنه لا فرق بين الجمهوريين والديموقراطيين من الناس العاديين في مساندة هذا التدخل.
في ظل هذه المعطيات، أعلن أوباما حربه على «داعش» ولكن من الجو فقط، مؤكدا في كل مناسبة أن القوات البرية الأميركية لن تتدخل مهما كانت الظروف، على الرغم من أن رئيس أركان القوات المسلحة الأميركية الجنرال مارتن ديمبسي ذكر احتمال الاضطرار إلى ذلك في المستقبل. وهكذا جرت الأحداث أوباما إلى الحرب وهو يرفس برجليه كما يقولون، حتى انه لقّب بـ «المحارب المتردد»، صحيح أنه غير بذلك استراتيجيته فيما يتعلق بالتدخل في الحروب الخارجية، لكنه في الوقت نفسه مازال يحاول القيادة من الخلف وإن بإقدام أكبر.
تحت سقف هذه الاستراتيجية ومن ضمن السياق العام للتدخل في العراق وسورية، حصلت هذه التطورات والمتغيرات:
1 - لم تتمكن الضربات الجوية التي نفذتها طائرات التحالف العربي والدولي ضد الجماعات المسلحة في سورية، بعد شهر على إطلاقها، من القضاء على «داعش»، رغم أن نتائج ملموسة تحققت، أهمها تقويض نفوذ التنظيم وإعاقة تحركه في مناطق واسعة بسورية، وتجفيف مصادر تمويله إلى حد كبير، التي تتمثل بشكل أساسي في عائدات النفط الذي يبيعه. ويرجع خبراء عسكريون ومعارضون سوريون هذا الواقع إلى غياب قوة برية مؤازرة على الأرض، إضافة إلى محدودية عدد الضربات التي رأت تقارير غربية أنه من المفترض أن تتضاعف لتصل إلى مائة غارة يوميا.
2 - تخطط قوات الأمن العراقية، مدعومة بالقوة الجوية التي تقودها الولايات المتحدة والمئات من المستشارين العسكريين، إلى شن هجوم كبير ضد مقاتلي تنظيم داعش في العراق، وهي حملة من المتوقع أن تشهد جملة من التحديات اللوجستية والسياسية الكبيرة. وينحصر هدف الحملة في كسر احتلال «داعش» في مناطق شمال وغرب العراق، واستعادة سيطرة الحكومة العراقية على مدينة الموصل وغيرها من المراكز السكانية، فضلا عن الطرق الرئيسة بالبلاد وحدودها مع سورية، وذلك بحلول عام 2015، وفقا لمسؤولين أميركيين. وسيتطلب الهجوم الذي يجري التخطيط له بمعاونة المخططين العسكريين الأميركيين تدريب 3 فرق عسكرية عراقية جديدة، أي ما يقدر بنحو 20 ألف جندي، خلال الشهور المقبلة.
3 - أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما دخول العراق في «مرحلة جديدة» في إطار «استراتيجية» مواجهة «داعش»، مشيرا إلى أن هذه المرحلة تقتضي زيادة عدد القوات الأميركية في العراق، من أجل تقديم «الدعم اللوجستي» بتدريب وتسليح «المجندين العراقيين والعشائر السنية»، معلنا نشر 1500 جندي أميركي إضافي في العراق، وهذا مؤشر الى الدخول في «مرحلة جديدة» في «الحملة ضد داعش»، وإن جاء ذلك مرفقا بتأكيد أن القوات الأميركية «لن تشارك في القتال بل ستركز على تدريب المجندين العراقيين وعدد من العشائر السنية التي تقاتل تنظيم داعش».
4 - تدعو الاستراتيجية الأساسية إلى الهجوم على مقاتلي تنظيم «داعش» بهدف عزله في معاقله الكبيرة مثل مدينة الموصل. ومن المرجح أن يمكن ذلك القوات العراقية، وقوات البيشمركة الكردية، مع المقاتلين الذين تم تجنيدهم من العشائر السنية، من مواجهة العدو الضعيف الذي قطعت عنه خطوط الإمدادات والتعزيزات في سورية التي تتعرض الآن للضربات الجوية الأميركية. ويتوقع توسيع الوجود العسكري الأميركي من بغداد وأربيل إلى مراكز عسكرية إضافية، بما في ذلك قاعدة الأسد الجوية في محافظة الأنبار ومعسكر التاجي شمال بغداد.
5 - تواجه الاستراتيجية الكثير من العقبات منها أن تنظيم «داعش» قد يسعى لثبيت أقدامه في المناطق التي يسيطر عليها. وتشكل الميليشيات الشيعية، وبعض منها يتلقى دعما من إيران، عائقا آخر. وبينما يرى الأميركيون أنه من الأهمية بمكان انسحاب الميليشيات الشيعية، أو حلها، أو ضم أفرادها تحت قيادة قوات الأمن العراقية، ترى حكومة بغداد الحاجة إلى بقاء الميليشيات حتى القضاء تماما على تنظيم «داعش».
6 - استراتيجية الولايات المتحدة تواجه تحديات كبيرة في سورية. وقال محللون ان التطور على الأرض في سورية مع هزيمة جبهة ثوار سورية المدعومة من الغرب على يد «النصرة» في ادلب يشكل نكسة لجهود الإدارة الأميركية في تدريب وتسليح قوات المعارضة السورية المعتدلة لتقوم بمهمة محاربة «داعش» إضافة إلى مخاطر وقوع الأسلحة الأميركية التي قدمتها واشنطن للمعارضة السورية في أيدي عناصر تنتمي لجبهة النصرة. وقد أشارت تقارير إلى استيلاء جبهة النصرة على أسلحة ثقيلة من بينها صواريخ TOW المضادة للدبابات وصواريخ غراد.
7 - دخول «جبهة النصرة» على خط القتال وتحقيقها تقدما لافتا في الأيام القليلة الماضية ووصولها الى الحدود التركية، قد يجعلها مجددا هدفا لضربات التحالف الدولي في محاولة للمحافظة قدر الإمكان على «المعارضة المعتدلة» التي يفترض أن تكون الجهة التي تريد واشنطن دعمها عسكريا. وتدرك الولايات المتحدة أمرين: الأول هو الدور المهم للقوات البرية المحلية التي تتحمل العبء في مواجهة «داعش» على الأرض في سورية، وتدرك أيضا أن تدريب المقاتلين في المعارضة السورية المعتدلة يتطلب وقتا كبيرا.