الوضع على الأرض السورية بات أكثر وضوحا وتبلورا بعد اتفاق المناطق الآمنة الذي هو في الواقع اتفاق «تقسيمات الأمر الواقع» موزعة على خمس مناطق نفوذ دولية وإقليمية: «الساحل الروسي» ومركزه اللاذقية، و«الشمال التركي» ومركزه إدلب، و«الشرق الأميركي» ومركزه الحسكة، و«الوسط الإيراني» ومركزه دمشق، و«الجنوب الأردني» ومركزه درعا.
«اتفاق الأستانة» حول المناطق الآمنة أعاد تعديل الأولويات: أولوية النظام السوري وحلفائه لم تعد إدلب وشمال سورية وإنما دير الزور وجنوب سورية.
وأولوية الأميركيين لم تعد معركة الرقة والشرق وإنما دير الزور أيضا والجنوب.
في الواقع ثمة سباق إيراني ـ أميركي قد بدأ في اتجاه الحدود السورية ـ العراقية للوصول إليها والتحكم بممراتها.
هذا السباق ينبئ بمعركة كبرى هي الثانية من حيث حجمها وضراوتها بعد معركة حلب، لا بل تفوقها في البعد الاستراتيجي، لأن معركة الحدود العراقية ـ السورية هي معركة الخط الذي يوصل إيران الى بيروت عبر بغداد ودمشق: الأميركيون يريدون قطع هذا الطريق الحيوي في إطار استراتيجية فصل سورية عن العراق وإضعاف النفوذ الإيراني، والإيرانيون يريدون «فتح» هذا الطريق الذي يضمن لهم وصول الإمدادات الى حلفائهم في سورية ولبنان ويدعم مشروع بقاء نظام الأسد.
من الواضح أن التوتر العسكري والاهتمام الدولي انتقل خلال الأيام الأخيرة من شمال سورية إلى جنوبها، وذلك بعد قرار النظام وحلفائه فتح معركة الوصول إلى الحدود العراقية.
ومن ثم، تأمين ممر بغداد ـ دمشق ولاحقا ممر بيروت ـ طهران، بالتزامن مع ما يجري تداوله عن حشود عسكرية على الحدود الأردنية مع سورية، تمهيدا لعملية تدعمها واشنطن في الجنوب.
وتقاطعت المعلومات عن وصول تعزيزات كبيرة للنظام السوري وحلفائه إلى منطقة البادية الصحراوية، على الحدود مع العراق والأردن، حيث يتوقع شن معركة كبيرة ضد تنظيم «داعش» لفتح طريق بغداد ـ دمشق، تمهد بدورها لمعركة السيطرة على محافظة دير الزور، التي تحولت أخيرا إلى معقل للتنظيم.
إلا أن خطط طهران لن تجد على ما يبدو الطريق معبدا أمامها، في ظل سعي واشنطن إلى استباق هذه المعارك، والسعي إلى دعم المجموعات المحسوبة عليها للوصول إلى دير الزور أولا.
وبينما تصل تعزيزات كبيرة على محاور الجبهات المحيطة بمدينة تدمر، استعدادا لعملية عسكرية باتجاه بلدة السخنة، يأتي تحرك الجيش السوري في محاذاة تلال القلمون الشرقي انطلاقا من شمال شرق مطار السين، ليلاقي تحركه الذي بدأه عقب السيطرة على تدمر جنوبا، باتجاه عقدة طريق البادية التي تربط دمشق وتدمر وبغداد، وتشكل مفترق الطريق الأقرب نحو العراق من وسط سورية، عبر معبر التنف الخاضع لسيطرة فصائل يدربها «التحالف» الأميركي.
وتحشد الولايات المتحدة الأميركية الجيوش في الأردن، قرب الحدود السورية، بعدما بدأت المجموعات السورية المعارضة تنفيذ انتشار واسع في البادية، بهدف منع الجيش السوري وحلفائه من الوصول إلى الحدود العراقية، وتريد واشنطن إقامة حزام أمني في الجنوب والشرق السوريين، بهدف استخدامه للضغط على دمشق ميدانيا، وفي أي مفاوضات مستقبلية، والحؤول دون فتح طريق دمشق ـ بغداد البرية.
«المعركة الحدودية» لا تقتصر على الجانب السوري من الحدود، وإنما تشمل الجانب العراقي أيضا، حيث انطلقت عمليات يقودها «الحشد الشعبي» الذي تحركه ايران ايضا باتجاه منطقة القيروان، جنوب غرب تلعفر، في مرحلة ثانية لعملية تهدف الى تطهير المناطق باتجاه البعاج، ومنها نحو المناطق الحدودية مع سورية.
وتتحدث مصادر كردية عن رغبة إيران في الحصول على ممر لها عبر محافظة ديالى شرق العراق مرورا بمحافظة نينوى وقضاء تلعفر الى الأراضي السورية.
والأهداف الرئيسية لهجمات الحشد الشعبي تندرج في إطار محاولة إيران منذ فترة، فتح ممر من هذه المنطقة إلى سورية، كما أن دعم القوات التابعة لحزب العمال الكردستاني في سنجار من قبل إيران والشيعة في العراق، يصب في هذا الاتجاه.
وتستبعد المصادر تحول حلم إيران إلى حقيقة، لأنه إذا ما تقدم الحشد أكثر، فإن دولا اقليمية وتركيا والولايات المتحدة ستتدخل.