جميع الداعمين الإقليميين والدوليين للمعارضة السورية يدعونها إلى الواقعية، ويلحون على وفد موحد إلى مفاوضات جنيف قريبا، «الائتلاف الوطني» يبدو أعزل ومعزولا لا حيلة له ولا قوة، ويتعذر على «الهيئة العليا للمفاوضات» أن تصل إلى تصور واحد مع «منصة القاهرة» و«منصة موسكو».
وإذا كانت الأولى ترغب في تأجيل بند رحيل الرئيس بشار الأسد أو حرمانه من أي دور في «المرحلة الانتقالية»، فإن الثانية ترفض البحث في هذا البند نهائيا، وتريد بقاء رأس النظام حتى نهاية ولايته في 2021 وتأكيد حقه في الترشح لأي انتخابات رئاسية مقبلة قبل هذا التاريخ أو بعده، ولا ترى حتى ضرورة لإقرار دستور جديد.
الإدارة الأميركية لا يعنيها أي شيء سوى دحر «داعش»، ومثلها أوروبا التي تقر بالعجز عن ردع النظام وإن استخدم الأسلحة المحرمة، وفي المقدمة فرنسا التي كرر وزير خارجيتها قبل أيام ما كان رئيسه إيمانويل ماكرون قاله من أشهر أن بلاده لا تضع رحيل الأسد شرطا مسبقا لإطلاق عملية سياسية وبدء المرحلة الانتقالية، ولا حاجة إلى تعداد المواقف التي تبدلت جذريا منذ التدخل العسكري الروسي، ولعل أبرزها موقف تركيا التي لم يعد يعنيها شيء من الساحة السورية سوى حصار أو قتال الأكراد ومنعهم من الفوز بحكم ذاتي، هذا الهاجس المقيم يدفعها كل يوم بعيدا من شبكة علاقاتها التاريخية القديمة مع الولايات المتحدة الداعم الرئيس للأكراد، ويدفعها إلى تمتين تحالفها مع روسيا وإيران.
ويعمل الأردن على إعادة بناء العلاقات مع دمشق لأسباب كثيرة داخلية معروفة وخارجية أولها هذا التردد الأميركي من أيام إدارة الرئيس باراك أوباما، ثم إهمال خلفه دونالد ترامب الذي سلم الراية الى روسيا، وأوقف برنامج المساعدات العسكرية والمالية عن بعض الفصائل، همّ البيت الأبيض فقط هزيمة «داعش»، فيما سياسته لتطويق نفوذ إيران لم تعد لها أي معنى ما دام أن النظام وحليفه الإيراني يتقدمان كل يوم لملء الفراغ الذي يخلفه تقلص جغرافيا المعارضة المعتدلة من جهة وتآكل خريطة «داعش»، ولا شك في أن استكمال تحرير دير الزور سيتيح لطهران تعزيز طريقها إلى ساحل المتوسط.