رغم تكرار النظام ان استعادة إدلب تتصدر حاليا قائمة أولوياته العسكرية، لكن كلفة أي هجوم محتمل تبدو وفق محللين باهظة لأسباب عدة، أولها وجود تركيا في هذه المنطقة الخاضعة لاتفاق خفض التصعيد.
واستبعدت موسكو قبل أيام حصول «هجوم واسع» في الوقت الراهن، معولة في الوقت ذاته على جهود أنقرة للحفاظ على «استقرار» المحافظة التي تؤوي 2.5 مليون شخص، بينهم عشرات الآلاف من مقاتلي المعارضة وعائلاتهم الذين تم إجلاؤهم على مراحل من مناطق عدة، إثر رفضهم اتفاقات تسوية مع النظام.
ما أبرز الأسباب التي تجعل دمشق مصممة على استعادة ادلب؟
تشكل محافظة إدلب عمليا الملاذ الأخير للفصائل المقاتلة، بعد تهجيرها من غالبية معاقلها في البلاد.
ومنذ اندلاع النزاع، يكرر النظام رغبته في استعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية.
ويريد النظام خصوصا استعادة الجزء الأخير من طريق دولي، يمر عبر ادلب وتكمن أهميته في كونه يربط بين أبرز المدن السورية التي باتت تحت سيطرته، من حلب شمالا مرورا بحماة وحمص ثم دمشق وصولاً إلى معبر نصيب الحدودي مع الأردن.
وقبل الوصول إلى حلب، يمر جزء من الطريق في مدن رئيسية في ادلب تحت سيطرة الفصائل أبرزها سراقب ومعرة النعمان وخان شيخون.
وبحسب الباحث في الشأن السوري فابريس بالانش، يسعى النظام للسيطرة على هذا الجزء المحاذي للطريق السريع في إدلب.
ما حظوظ عملية عسكرية في الوقت الراهن؟
بخلاف تصريحات دمشق، جزم الموفد الروسي إلى سورية ألكسندر لافرنتييف في ختام مباحثات في مدينة سوتشي الثلاثاء الماضي أنه «لن يكون واردا في الوقت الحاضر، شن هجوم واسع على ادلب».
وتشكل روسيا مع إيران حليفتين للأسد، وتركيا الداعمة للمعارضة، الدول الثلاث الضامنة لاتفاق خفض التصعيد الساري في إدلب. وتنتشر قوات تركية بموجب الاتفاق في عشرات نقاط المراقبة في المحافظة.
ويشكل هذا الانتشار تحديا أمام دمشق التي تعتبر تركيا دولة «احتلال». ويقول الباحث في المعهد الأميركي للأمن نيكولاس هيراس لفرانس برس «العائق الأكبر أمام حكومة الأسد في ادلب هو تركيا» التي «لا تريد تكرار الخطأ جنوب غرب سورية، لناحية الإيحاء بأنه من المقبول للأسد أن يمضي قدما وبشكل أحادي في حل عسكري.
ويوضح أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان «يعتمد حاليا سياسة «على جثتي» تجاه أي عمل عسكري محتمل».
وتعول المعارضة السورية وفق ما قال رئيس هيئة التفاوض نصر الحريري لفرانس برس على «ضمانة» من تركيا التي تجري «نقاشات» مع «روسيا كونها اللاعب الأكبر في الملف السوري»، لتجنيب ادلب سيناريو الجنوب.
وتعمل تركيا ميدانيا على توحيد صفوف الفصائل المعارضة في إدلب استعدادا لمواجهة محتملة مع المجموعات المرتبطة بهيئة تحرير الشام.
وفي هذا الإطار، أعلنت مجموعة من أكبر المجموعات المعارضة توحدها ضمن جبهة جديدة باسم «الجبهة الوطنية للتحرير»، تضم بشكل أساسي «حركة أحرار الشام» وفصيل «نور الدين زنكي» و«جيش الأحرار» و«جبهة تحرير سورية» و«ألوية صقور الشام». ويقدر معارضون عدد المنضوين تحتها بنحو 100 ألف مقاتل بحسب مصادر معارضة.
ويعرب الباحث نوار أوليفر، المتخصص في الشأن السوري في مركز عمران للدراسات ومقره إسطنبول، عن اعتقاده بأن الدول الثلاث الضامنة لخفض التصعيد «لن تسمح بأي نوع من الحرب الواسعة النطاق في الشمال».
ويضيف أن مستقبل إدلب سيحدده «اتفاق على الأرجح لم يتم إنهاؤه بعد ولا احد يتحدث عنه».
ما تداعيات العملية العسكرية المحتملة؟
تحذر الأمم المتحدة من تداعيات أي هجوم من شأنه أن يهدد سلامة نحو 2.5 مليون شخص، نصفهم من النازحين.
وقال منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في سورية بانوس مومتزيس «ليس هناك إدلب أخرى لإرسالهم إليها (...) هذا هو الموقع الأخير ولا يوجد مكان آخر ليتم نقلهم إليه».
وشكلت إدلب وجهة لعشرات الآلاف من المقاتلين الذين رفضوا اتفاقات تسوية مع النظام. ويقول الحريري إن هؤلاء مع المقاتلين المتحدرين من إدلب سيجدون أنفسهم بمواجهة أي هجوم «أمام معادلة واحدة هي القتال حتى النهاية».
ويهدد التصعيد بتدفق موجات كبرى من اللاجئين الى تركيا، وهو ما لن تسمح به مع رغبتها بتسريع عودة أكثر من 3 ملايين لاجئ تدفقوا الى أراضيها منذ اندلاع النزاع في 2011.
ماذا عن مصير هيئة تحرير الشام؟
لطالما برر النظام وموسكو شنهما غارات على المنطقة باستهداف «هيئة تحرير الشام» المصنف «إرهابيا» وحملتا على صلاته بتنظيم القاعدة.
ويشرح هيراس «يتمسك الأتراك بأن هيئة تحرير الشام شأن تركي وليست قضية يمكن للأسد أن يستخدمها لإطلاق هجوم على ادلب، لكن الوقت ينفد الآن».
وتدرك تركيا وفق هيراس أن «تنظيم القاعدة يستمد نفوذه أمام ناظريها، وانه عاجلا أم آجلا (...) سيكون على أردوغان أن يتصرف بشكل حازم».
وتراهن روسيا على تركيا لإنجاز هذه المهمة وفق ما قال لافرنتييف. وهو ما عاد وأكده وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أمس معلنا أنه يجب إنهاء تواجد الإرهابيين في المحافظة.
ويرجح أوليفر في المرحلة المقبلة، أن تقوم تركيا تزامنا مع عملها على توحيد صفوف الفصائل المعارضة، «بعملية عسكرية داخل إدلب للقضاء على الجزء المتشدد من هيئة تحرير الشام وبعض المجموعات المتطرفة» لتجنب هجوم دمشق وحلفائها في حال رفضت الهيئة حل نفسها كما تدعو بعض القوى المعارضة.