- سيناريوهان: الاستمرار في اتفاق خفض التصعيد برعاية روسية - تركية حيث موسكو غير متحمسة لشن هجوم عسكري للتركيز على عودة اللاجئين..
- الحرب الدموية الشاملة في حال فشلت روسيا وتركيا في التفاهم حول إدلب خصوصاً وسورية الجديدة عموماً عبر الحل السياسي
التطورات السورية «الميدانية» تتواصل وفق المسار المعد لها وبمعزل عما يجري في المنطقة، وكأن سورية غير معنية بما يدور حولها من مواجهات وصفقات... هذا المسار الذي انطلق قبل سنتين من حلب الى القلمون، يصل الى خواتيمه في إدلب، حيث آخر المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة والخارجة عن سيطرة النظام الذي يصر على خوض آخر معاركه الكبيرة في إدلب وإقفال ملف الشمال السوري المحاذي لتركيا، (تضم إدلب نحو ثلاثة ملايين شخص أكثر من نصفهم من النازحين والمهجرين من مناطق أخرى، وهي تقع بين محافظتي طرطوس واللاذقية، حيث تقع القاعدتان العسكريتان الروسيتان والقاعدة الشعبية للنظام من الغرب وحلب من الشرق ثاني أكبر مدينة سورية وحماة من الجنوب.
وشكلت إدلب وجهة لمئات آلاف المهجرين لعشرات الآلاف من المقاتلين الذين رفضوا اتفاقيات تسوية مع النظام وبدأ المقاتلون ينظمون أنفسهم أمام معادلة واحدة هي القتال حتى النهاية).
صحيح أن هناك وضعا عالقا في الشرق، ولكن النظام السوري ليس قلقا ازاء الوضع في شرق سورية حيث يتمركز الأكراد.
هناك لا خطط لمواجهات عسكرية وإنما هناك خطوط اتصال وتفاوض اصبحت علنية ومتكررة، ذلك أن الأكراد، وبعد تجربتهم المخيبة مع الأميركيين في عفرين ومنبج (إضافة الى كركوك)، ما عادوا يراهنون على الأميركيين وباتوا مقتنعين أن مصلحتهم وضمانتهم هي مع النظام رغم أنه أعلن مرارا رفضه منحهم وضعا خاصا وإدارة ذاتية في إطار فيدرالية مخففة تحفظ نفوذ وسيطرة السلطة المركزية.
القرار في شأن إنهاء وضع إدلب اتخذ وأحيل الى التنفيذ الذي يتطلب أشهرا، ويفترض أن ينتهي قبل نهاية العام الحالي.
وما حصل في الجنوب، وتحديدا في درعا، يمكن أن يتكرر في الشمال، وتحديدا في إدلب.
ففي الجنوب تقدم الجيش السوري تحت مظلة تفاهمات روسية ـ إسرائيلية، وفي الشمال يمكن أن يتقدم تحت مظلة تفاهمات روسية ـ تركية. ولكن الفارق كبير بين درعا وإدلب التي تحولت الى ملاذ أخير للمعارضين.
فإذا كان هؤلاء جرى تجميعهم في إدلب... فإلى أين من بعد إدلب، وما مصيرهم، خصوصا أن تركيا لا تقبل أن تكون مقرا لمقاتلي «النصرة» وغيرهم.
تتضارب التحليلات والتوقعات بشأن مصير محافظة إدلب، البعض يعتقد أن هذه المنطقة لن تشهد معركة عسكرية لتحريرها على غرار ما حدث في الغوطة الشرقية والمنطقة الجنوبية، ويستند هذا البعض إلى أمرين أساسيين:
ـ الأمر الأول: الوجود العسكري التركي، حيث تنتشر نقاط مراقبة هي أقرب إلى المواقع العسكرية في أنحاء مختلفة من محافظة إدلب.
ـ الأمر الثاني: تفهم روسيا لموقف تركيا، وحرص موسكو على إبقاء أنقرة جزءا في مسار أستانة، حتى أن هناك من يتحدث عن صفقة روسية ـ تركية تكرس بقاء تركيا فترة لا تقل عن ثلاث سنوات في هذه المحافظة، والسعي لأن يكون دور للإخوان المسلمين المرتبطين بتركيا في أي حل نهائي للوضع في سورية.
البعض الآخر يعتقد أن المعركة العسكرية قادمة وسوف تشبه سيناريو المعارك الأخرى، ولاسيما معركة الجنوب، أي الدمج بين خيار المصالحات والحسم العسكري. وهذا الخيار ليس فقط هو المرجح، بل هو الحتمي على عكس كل الاعتقاد السائد، استنادا الى الوقائع الآتية:
ـ أولا: تصميم النظام على استعادة كل شبر من الأرض السورية.
ـ ثانيا: النظام يعتبر ان الكثير من مدن محافظة إدلب المهمة تقع تحت سيطرة «جبهة النصرة» المستثناة، في مسار أستانة الذي وافقت عليه تركيا، من اتفاقات وقف القتال.
ـ ثالثا: روسيا التي توجه إليها الانتقادات بأنها أبرمت صفقة مع تركيا، اعلنت امس رغبتها في التعاون مع المعارضة الرافضة للإرهاب.
كل هذه الوقائع تؤكد أن سيناريو الحسم العسكري المصحوب مع المصالحات هو السيناريو الذي يريده النظام مدفوعا بإيران، وحيث ترسم لمعركة إدلب ومصيرها سيناريوهات عدة أبرزها:
٭ سيناريو الاستمرار باتفاق خفض التصعيد برعاية روسية- تركية، وهو الأقل خطورة وكلفة، إلا أن هذا الوضع لن يستمر لفترة طويلة لأن نهايته مرتبطة بمسار أستانة الذي بات محل تركيز تركيا وروسيا للوصول إلى حل سياسي يرسم بأياد روسية.
إلا أن أي حل سياسي قد يتم التوصل إليه يتطلب موافقة تركيا وقدرتها على فرضه على الفصائل الموجودة في الشمال، وقبل ذلك كله إيجاد حل لملف «هيئة تحرير الشام»، وهو الأمر الذي تعهدت به تركيا.
٭ السيناريو الدموي: إذا فشلت روسيا في الوصول إلى تفاهم بعيد مع تركيا حول إدلب بشكل خاص، وحول طبيعة سورية الجديدة عبر الحل السياسي، فستعلن حربا شاملة على إدلب بحجة وجود التنظيمات الإرهابية التي لم تتمكن تركيا من القضاء عليها، وهنا يطرح السيناريو الأسوأ في حال قررت الفصائل المعارضة المقاومة، الأمر الذي يتطلب من روسيا والنظام نفسا طويلا للمعركة.
وتقول أوساط ديبلوماسية إن روسيا غير متحمسة لشن هجوم عسكري ضد إدلب، وتعتبر أن الجيش السوري ربح الحرب ويجب أن يتوقف عند هذا الحد إفساحا في المجال أمام انطلاق العملية السياسية.
أما وضع إدلب فإنه يحل عبر تسوية وتفاهمات مع تركيا ومن ضمن مسار استانة.
ووفق هذه الأوساط، فإن القيادة السورية متحمسة للمضي قدما ومواصلة عملية الحسم العسكري بعدما استعاد النظام السوري توازنه وعوض النقص الذي كان حاصلا في عديده بالميليشيات المدعومة من إيران ولا تريد دمشق أن تقف عند الحد الذي بلغته وإنما تريد إنهاء وضع إدلب قبل الدخول في أي عملية سياسية سيكون وضع دستور جديد أهم بند فيها.
وأما معركة إدلب، فإنها ستتم على مرحلتين: مرحلة الحسم العسكري في ريف إدلب، ومرحلة تطويق مدينة إدلب وإخضاعها للتسوية بشروط النظام... وتفيد كل المؤشرات بأن العد العكسي لمعركة إدلب قد بدأ، بدليل الجاهزية العالية للجيش السوري وحلفائه بعد إقفال ملفي درعا والقنيطرة، واستعجال إيران لبدء المعركة لأنها لا تقبل بقاء تركيا في الشمال السوري.
لكن تعقيدات إدلب تبدو أكبر بكثير من كل ما سبقها من جبهات، والتكهن بمصيرها أمر معقد مرتبط بالحقائق على الأرض من مقومات للصمود، وتفاهمات بين الدول المعنية بالملف السوري عموما وخاصة مع بروز معطيات جديدة أهمها الجيش الوطني المدرب والمدعوم كليا من تركيا.
في المحصلة، فإن معالجة الواقع في محافظة إدلب يتطلب العمل على نار هادئة، لاسيما أن وضع إدلب معقد ومتداخل بين أطراف إقليمية ودولية. وثمة قناعة بأن الأمور تسير نحو تفاهم يسهل السيطرة على إدلب من دون خسائر كبيرة، لأن العناصر التي تجمع تركيا وروسيا أكبر بكثير إقليميا ودوليا من أن يسمح الطرفان بالتفريط بها في خلاف على آلية تسوية الوضع في إدلب.
كما أن روسيا بدأت تركز على اليوم التالي، باعتبار أن حسم الوضع في إدلب بات في حكم المؤكد، وأنه سيؤدي إلى تكريس الانتهاء الفعلي لكل العمليات العسكرية الواسعة في سورية. الأهم حاليا بالنسبة الى روسيا هو وضع قطار إعادة الإعمار وتسهيل عودة اللاجئين على مسار التنفيذ، والمسار الموازي المتمثل في الإصلاح الدستوري سيكون الرافعة الأساسية لأي تسوية سياسية. وقد بدأت موسكو استعدادات واسعة للتحضير للاجتماع الرباعي المقرر في تركيا في السابع من الشهر المقبل، بعدما كانت أنقرة دعت إلى عقد قمة تجمع زعماء روسيا وتركيا وألمانيا وفرنسا لبحث الملف السوري والذي يستثني إيران لأول مرة.
وبينما تسعى موسكو إلى حسم الموقف في إدلب قبل القمة، فإن تعويلا كبيرا ينصب على هذا اللقاء الذي يهدف إلى توسيع آلية «استانة» واستبدال بها آلية دولية تضع ملامح التسوية النهائية في سورية انطلاقا من الجهد القائم حاليا، لتقديم مساري عودة اللاجئين والإعمار، وموضوع الإصلاح الدستوري الذي يجب أن يؤدي إلى وضع دستور جديد تجرى على أساسه انتخابات في سورية لاحقا.