يقول وزير الخارجية السوري وليد المعلم في إطلالته الأخيرة بعد طول غياب، إن هدف «قانون قيصر» هو التأثير على الانتخابات الرئاسية في العام ٢٠٢١. ولكن واشنطن تقول إنها غير معنية بانتخابات ٢٠٢١ وأنها معنية بالقرار ٢٢٥٤ لإجراء إصلاح دستوري وانتخابات برلمانية ورئاسية بإشراف الأمم المتحدة.
وحسب تصريحات وتفسيرات الأميركيين، فإن «قانون قيصر» الذي أخذ وقتا طويلا قبل أن يقره الكونغرس ويوقع عليه الرئيس دونالد ترامب، لا ينص على تغيير الرئيس السوري بشار الأسد عبر العمل العسكري، كما قال المبعوث الأميركي الى سورية جيمس جيفري، ولكنه ينص على إلزام الحكومة السورية بشروط، هي: إخراج إيران من سورية، التوقف عن رعاية الإرهاب ودعم حزب لله، التخلي عن السلاح الكيماوي، ألا تشكل تهديدا لجيرانها، توفير شروط عودة كريمة للنازحين واللاجئين، محاسبة مجرمي الحرب ومساءلتهم، والعمل على تنفيذ القرار الدولي ٢٢٥٤.
وتلبية هذه الشروط باتت ملزمة للحكومة السورية الحالية وأي حكومة مقبلة، لأن إلغاء «قانون قيصر» يتطلب عملية تشريعية معقدة في الكونغرس الذي وافق عليه بغرفتي مجلس الشيوخ ومجلس النواب ومن «الجمهوريين» و«الديموقراطيين»، ما يعني أنه لن يكون عرضة لأي تغيير في حال خروج الجمهوريين من الرئاسة وأغلبية الكونغرس.
وفي ضوء هذه الشروط والإجراءات، فإن واشنطن تعتقد أنه باتت لديها ورقة للتفاوض مع موسكو. والرهان الأميركي هو أن يساهم «قيصر» في تعميق الأزمة الاقتصادية وتدهور سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأميركي، خصوصا مع استمرار أزمة اقتصاد لبنان وإيران وإحجام رجال الأعمال العرب عن الاستثمار في سورية خوفا من أن تطولهم العقوبات، لزيادة الكلفة على روسيا ما يدفعها للجلوس على طاولة التفاوض والتحدث بشكل جدي لعقد صفقة تلبي هذه الشروط.
لم يصدر حتى الآن أي رد فعل رسمي من جانب موسكو بعد دخول «قانون قيصر» حيز التنفيذ. ولكن تعليقات ومواقف لمسؤولين وبرلمانيين وخبراء عكست أمرين أساسيين:
- الأول هو وجود قلق لدى موسكو من التداعيات المحتملة للقانون الجديد الذي لا يستهدف سورية فقط وإنما يستهدف روسيا أيضا، والذي ستكون نتائجه أسوأ من الحرب على مدى السنوات التسع الماضية، حيث تستخدمه واشنطن لتقويض الإنجازات التي حققتها موسكو مع النظام السوري، إضافة الى تفاقم المخاوف لدى قطاع الأعمال والشركات الكبرى، خصوصا ان الحديث هنا يدور عن قطاعات محددة توليها روسيا أهمية فائقة، بينها التجارة والتعاون الاقتصادي في قطاعات صناعة النفط، وصناعات الطيران، والإنشاءات، فضلا عن النظام المصرفي، وكلها قطاعات وضعت الشركات الروسية جهودا كبرى لبسط نفوذها عليها.
- الثاني هو تأكيد الاستعداد الروسي لمواجهة «قانون قيصر» والالتفاف على العقوبات المفروضة على الشركات التي تتعامل مع الحكومة السورية، وعدم تراجع موسكو عن التزاماتها في التعاون العسكري والاقتصادي.
وموسكو لديها خبرة طويلة في التعامل مع ظروف العقوبات الاقتصادية، وسوف تجد مجالات لمواصلة تقديم المساعدات العسكرية والفنية والاقتصادية والمالية للنظام رغم القانون.
وبإمكان قطاع الأعمال الروسي تأسيس شركات أخرى بديلة عن الشركات التي قد تخرج من السوق السورية، وبشكل لا تكون مرتبطة بالقطاع المصرفي والمالي الأميركي، ما يعني أن واشنطن لن تكون قادرة على معاقبتها.
هناك من يرى في «قانون قيصر» اختبارا جديدا وصعبا للعلاقات الأميركية - الروسية في سورية والمنطقة. ولكن هناك من يرى في المقابل أن هذا القانون مؤشر دقيق على أن الحوار الأميركي - الروسي حول سورية دخل في مرحلة متقدمة ويستخدم فيها الجانبان مختلف أوراقهما للتأثير على مجرياته وحصيلته النهائية.
و«قانون قيصر» ليس سوى دليل على أن هذا الحوار جدي وهو ينطلق من قاعدة رئيسية مفادها أن واشنطن لا تعمل على إخراج القوات الروسية من سورية أو إنهاء النفوذ الروسي المستمر منذ عقود طويلة، وإنما هدفها تسريع خروج إيران من سورية للحؤول دون صدام إيراني ـ إسرائيلي مباشر، وإقناع الروس بالتخلي عن حليفهم الأسد حتى لو كان ذلك في صناديق الاقتراع أو في عملية سياسية متدرجة.
وبالتالي، فإن جوهر «قانون قيصر» هو محاصرة الأسد لدفعه الى تغيير سلوكه، والمقصود بذلك بالدرجة الأولى، فك علاقته مع إيران.. وفي النتيجة «قانون قيصر» لا يصرف إلا على طاولة الحوار الأميركي ـ الروسي المفتوحة.
وزير الخارجية السوري وليد المعلم قال: «تريد الولايات المتحدة من وراء القانون وقبله قوانين عدة هو التخلي عن تحالفاتنا»، في إشارة الى إيران، وأكد «لن يتركنا حلفاؤنا وحدنا». ما يعني أن «قيصر» الأميركي دفع النظام درجة إضافية الى حضن إيران.