دلال العياف
تجسيد شخصية لها باع ومشوار طويل ليس بالأمر الهين، ومسيرة رائد من رواد الفن والفنون ايضا لابد ان يحضر لها بالشكل اللائق بتاريخ وارشيف تلك الشخصية المؤثرة، والبحث وايجاد الحقائق والمدونات يستغرق وقتا وجهدا ليخرج لنا عملا نظيفا خاليا من الشوائب متكاملا بعناصره وادواته.
لقد برز فن الإخراج في الربع الاخير من القرن التاسع عشر، وكان من اهم ادواره ومهامه الاشراف على تصميم المناظر والديكورات التي تدعم وضوح العمل لتتضح كماليته على جميع الاصعدة، وايضا اختيار الممثلين وتوجيههم ومخاطبة الجمهور في بداية كل عرض وعقب كل استراحة، تاريخ طويل للمخرج بما انه سيد متسيد لعمله وبناء الأعمال الدرامية مثل المسرحيات والافلام، وكثير من الباحثين قاموا بتحليل البناء الدرامي واولهم ارسطو في كتابه «الخطابة والشعر» عام 335 قبل الميلاد.
ومن يرحل جسدا تبقى روحه ترفرف في سماء مسرحه وبيت عمله الذي قضى عمره في اروقته وعلى خشبته، وحفر بذاكرتنا وتعلمنا منه الكثير.
مسيرة الراحل صقر الرشود وهو «صقر المسرح» الذي اثراه بموهبته التي منّ عليه الله بها، وارتبطت به مخيلتنا باجمل أعماله التي قومتنا فنيا، فالرسود اشتهر بـ«حفلة على الخازوق» التي اخرجها عام 1975، من تأليف عبدالرحمن محفوظ، وتعد من اشهر أعماله الإخراجية، وقد عرضت على مسرح كيفان انذاك، ثم على خشبة مسرح سيد درويش في القاهرة في الاول من مارس عام 1977 ولمدة ثلاثة ايام، وعرضت ايضا في مهرجان دمشق للفنون المسرحية في مايو 1977 وهي من بطولة الفنانين القديرين: سعاد عبدالله ومحمد المنصور، ابراهيم الصلال، خالد العبيد وعبدالله الحبيل، واشتهرت جدا بالاوساط الخليجية والعربية لما لها من اسقاطات سياسية ومناقشة قضايا تهم البلد وتحارب الفساد والظلم، من خلال تجسيد شخصيات كالحاكم الذي اختار مساعديه من الرجال غير الاكفاء فقاموا بأعمال السلب والنهب، وكان «الصقر» يرى ما يحدث الآن فقد كان لديه رحمه الله بعد نظر، والرؤية الإخراجية للرشود تختلف عن غيره، فهو مثال رائع لطلبة المعهد العالي للفنون المسرحية ولأي مخرج يبدأ حياته المهنية الفنية ليكون على قدر من المصداقية والتفاني بالعمل.
وفي الذكرى الـ ٤٠ للراحل الكبير شهدت قاعة المعهد العالي للفنون المسرحية مساء امس الاول عرضا مسرحيا عن سيرة الراحل المبدع الفذ صقر الرشود وحمل عنوان «الصقر» وذلك بحضور حشد غفير من الفنانين والكتاب الكبار والجمهور كان في استقبالهم عميد المعهد العالي للفنون المسرحية د.علي العنزي واساتذة المعهد.
كان هذا الحضور بمثابة وفاء لرفيق دربهم ومن عاصروه وتعلموا من تاريخه المشرف في هذا المجال الإخراجي الصعب، فاحبوه بصدق، وكان التأثر والحزن العميق على وجوههم اثناء العرض، فحضور تلك النخبة ومن بينهم اسرة الراحل جعل المشاعر مختلطة، وكان من ضمن الحضور: محمد المنصور والناقدة ليلى احمد وطارق العلي وكثيرون، ممن استذكروا من خلال مسرحية «الصقر» اياما وذكريات لهم.
بدأ العرض بتقديم جميل للمذيع عبدالرحمن الديّن، وكان واضحا تمكنه من الاداء، حيث تحدث عن المجهود الذي بذل في هذا العمل من قبل طلبة سنة اولى بالمعهد، والذين قدموا عرضا قيما عن حياة الراحل صقر الرشود، وتناولوا فيه اجمل ذكرياته وأعماله، فكان بمنزلة تأبين وتقدير لما قدمه طوال سنوات حياته التي قد تكون قليلة كعدد ولكنها كبيرة وعظيمة بانجازاته، وقال الديّن: في هذه الليلة المميزة يسرنا الحديث عن قامة مثل صقر الرشود الذي غاب عنا جسدا وظل باقيا الى يومنا هذا في كل نفس وفي كل نبرة وفي كل فكر متقدم ومختلف.
وتابع: المعهد العالي للفنون المسرحية في ادارته، اساتذته وطلبته الذين هم جميعا طلبة سنة اولى اصروا على عرض محطات من حياة الراحل صقر الرشود وتحديدا على خشبة مسرح المبدع الكبير حمد الرجيب.
وألقى عبدالرحمن الديّن كلمات مغناة معبرة للدكتور الكبير خليفة الوقيان، الذي تواجد في ذلك الحدث المسرحي الفريد من نوعه، وقال بحق «الصقر»: «يا صقر جعلتني استصغر العمر» فكانت رثاء رائعا، اما الشاعرة نجمة ادريس فقالت: «يا صقر.. قلبا مغموسا بالنار.. وجها مشحونا اسحار.. يا صقر.. ايا حلم».
فالمخرج الرائد صقر الرشود في مجاله لم يكن فقط مقتصرا على الإخراج بل كانت له صولات وجولات كثيرة في التنوع وتجارب مع القصة القصيرة وايضا في كتابة الاغاني، واستذكروا كلمات القدير محفوظ عبدالله بان الراحل الرشود كانت له اغنية كتب كلماتها وتقول: «انا ما اقدر على بعده، انا ما اقدر اعيش بعده»، والتي تغنى بها الديّن برفقة عازف العود عماد يحيى.
صقر الفكر والفن والمسرح نصوصه ظلت متداولة الى يومنا هذا ومازالت عروضه تعاد من خلال تطوير تلك الأعمال برؤى جديدة مع الاحتفاظ بفحواها الاصيل.
وبالنظر الى سيرة حياة صقر الرشود فرغم سنواته المحدودة فقد مرت حياته بتحولات دراماتيكية ساهمت في تكوينه وعززت من اختلافه عن محيطه، بداية من تغربه عندما كان صغيرا، وصولا الى معاناته في سبيل ان يكون رقما وعلامة فارقة في مسار الإخراج ليس بالكويت فحسب بل على مستوى الوطن العربي، ورغم انه لم يدرس الفن المسرحي الا انه تميز في هذا المجال، وجعل كل دارسي المسرح ونقاده يرونه موهبة واسطورة لا تتكرر.
ولو وصفنا ديكور عرض «الصقر» فهو بسيط وكان عبارة عن ستائر وكرسي ما اعطى مجالا فسيحا للاداء التمثيلي، وكانت الاضاءة مريحة للعين نوعا ما، وانصب التركيز على اداء الممثل الرائع الذي يمتلك حسا نابعا من روحه التي ملئت بالشجن حين تأديته لدور «الصقر» وأبكى اهله وحتى أنه أبكى طفلا صغيرا اغرورقت عيناه، رغم انه لم يشهد ولا يعاصر الراحل الصقر، فقد عاش مع اداء ذلك الممثل المتمكن من أدواته وهو عبدالله البلوشي، فقد تقمص الشخصية وكأننا نرى الصقر موجودا بيننا وروحه ترفرف بين اروقة المسرح تبعث سلاما لكل محبيه.
وكانت هناك رسالة في العرض حين قال الفنان عبدالله البلوشي بصوت غاضب: «اين تجمعنا؟ واين اجتماعاتنا في مسرح كيفان وتشاوراتنا وتجاذبنا اطراف الحديث؟» وكأنها رسالة الى فناني الجيل الحالي بان يجتمعوا ويتبادلوا الآراء، وايضا صفة الوفاء بذلك الجيل الذي مضى، بقول الرشود رحمة الله عليه «حتى لما كنت بطلع رخصة مسرح الخليج كنت مع ربعي عبدالله خلف ومنصور المنصور وحياة الفهد ونورة الخميس وسالم الفقعان ومكي القلاف»، وهنا عرض من خلال شاشة المسرح لقاء وكلمة على لسان القدير سالم الفقعان، حيث قال: «جاءني صقر وهو متحمس وكان باعتقادي ان المناقشة ستطول وفعلا عرض فكرة قيام المسرح».
ورجع الصقر يتحدث عن معاناة ممثلاتنا من جيل الذهب، حيث قال الرشود: «ممثلاتنا عانت كثيرا على المسرح، حياة الفهد كنت أقرى على راسها المسرحيات الصعبة وكانت تتحملني بكل محبة، وسعاد عبدالله اللي ياما وياما شاركتنا فرحنا واجتماعاتنا، وهيفاء عادل العجيبة اللي خلتني فعلا احس انها لبنانية، وأسمهان توفيق»، وايضا مسرحية «ضاع الديك» والتي تغنى بها الطلبة وزادت من تفاعل الجمهور.
وتناول العرض رحيل الرشود الى الإمارات العربية المتحدة، حيث عرضت فقرة لعبدالرحمن الصالح، وتم تقديم قصيدة «الدار» للشاعر القدير فهد بورسلي من القاء سليمان الياسين وقصيدة «العناقيد تدلت» للشاعر فيصل السعد.
ومع بدء النهاية عرضت فقرة كانت صعبة على الحضور وخصوصا اسرة صقر الرشود، حيث حركت المشاعر وهو حوار بين الراحل صقر وزوجته التي جسدته طالبة، فقد كان الاداء مؤثرا خصوصا في لحظة وداع الصقر لزوجته ورحيله. وختم العرض بأغنية «يا صقر» والتي تغنى بها الفنان القدير عادل الرويشد بشجن عال، وهي من كلمات وألحان علاء جابر وتوزيع كريم نيازي ومع اداء مسرحي لعبدالله البلوشي ومكساج وتسجيل راشد المطوع وإخراج الاغنية ومونتاج الفيلم كان للدكتورة سعداء الدعاس.
عواطف البدر: لا يوجد أي تقصير
في تصريح لها قالت الكاتبة القديرة عواطف البدر والتي عاصرت الراحل صقر الرشود: تم العرض بشكل جديد وسردت قصة حياة الصقر بشكل مختلف ومختصر وملم لجميع مراحل حياته، والذي لم يعرفه سابقا يستطيع من خلال ذلك العرض ان يعرفه جيدا، العمل جميل بدون بهرجة أو كلام زائد وزائف، ما قل ودل، وجسد الفنان شخصية صقر بشكل حرفي وجميل ولا يوجد أي تقصير.
عادل الرويشد: شرف لي أن أغني للصقر
قال الفنان القدير عادل الرويشد: اليوم وكأنني اشعر انني لأول مرة اقف على خشبة المسرح لرهبته وللشخصية العظيمة التي أتغنى بها، وهو يوم مميز لدي طبعا لأنه عن المبدع صقر الرشود وهذا شرف لي ان اغني لهذا الصقر.
فاطمة الرشود: الأداء يلامس القلوب
صرحت ابنة الراحل فاطمة الرشود، قائلة: اعيننا لن تقف دمعا ودموعنا تسيـــــل دون تحفيزها، فما عرض علينا كان جميلا حتى اننا استشعرناه وكأنه بيننا، لا اعــــرف ان اصف كيف كان والدي يتعامل معنا كــــأب حتى ان ابن عمتي اجهش بالبكاء اثناء العـــــرض وابنه واولادي الذين لم يروه لم يتوقفوا عـــــن البكاء، فقـــد كان الاداء يلامس القلـــوب، هو ليـــس ابـــي فقط هو اب للكويتيين اجمع، فعــلا حركوا مشاعرنا ولن أتوقع تلك القوة لذلك العرض، ولكن الممثل لم يعطك فرصة ان تلتفــــت يمينا أو شمالا، ولذلك لم نشعر بالوقـــــت للأداء القويــــم، وايضــــا دخول الموسيقى مع العــــرض.
شكرا لكل من شارك في عرض «الصقر»
كل الشكر والتقدير لكل من عمــــل علــــى قدم وساق واخرج عملا راقيـــــا مثل «الصقــــر»، والشكر والتقدير للجهــــود التطوعيــــة من خلال اشخاص جدوا واجتهــــدوا كثيـــــرا وهـــــم: فاطمـــــة صقر الرشود وعائلتها الكريمة، الفنان رمضان خسروه، عميد المعهد العالي للفنون المسرحية د.علــــي العنزي ود.فهد العبدالمحسن، د.خلود الرشيدي، د.محمد الزنكوي، د.نرمين الحوطي، الروائية ميس العثمان، خولة حطاب، الشاعر احمد بهجت، د.خليفة الهاجري، د.ابتسام الحمادي، د.احلام حسن، حسين كرم، فاطمة بن حسين ومصطفى مفتاح.
مسرحية «الصقر» من تأليـــف علاء الجابر الذي ابدع في رسم صورة الصقـــــر بتلك الطريقة، وتمثيل الطلبة وخصوصا من قام باداء شخصية «صقر» وهو المبدع عبدالله البلوشي، وشاركه كل من مشاري السعيدان، محسن النجدي، هيا السعيد، شهد ياسين، غدير الشريفي، عبدالعزيز العنزي، غدير حسن، احمد بن خميس وشهاب المشايخي وإخراج د.حسين الحكم ومساعد مخرج عدنان بالعيس ومتابعة د.سعداء الدعاس وإشراف عميد المعهد د.علي العنزي، ولوحات العرض د.مشعل الموسى ومكياج خالد الشطي وأزياء زينب عبدالسلام وديكور احمد السناسيري ومونتاج المادة الفيلمية محمد الهولي وادارة خشبة محسن النجدي وحسن الجميعي.