رغم تأكيد الاحتياطي الفيدرالي ومن ورائه مؤسسات دولية مرموقة مثل صندوق النقد ومصارف استثمارية كبيرة، على أن أجل التضخم المرتفع من جراء النمو الاقتصادي وحزم التحفيز الضخمة سيكون قصيرا، لايزال بعض كبار المستثمرين يشككون في ذلك.
ببساطة، يرى قسم من المستثمرين أنه في ظل الإنفاق المكبوت الذي يتوقع انفجاره في وقت لاحق من هذا العام مع تخفيف القيود المرتبطة بالوباء، سينطلق الاقتصاد الأميركي بقوة مع تضخم جامح نسبيا، ما قد يدفع الفيدرالي إلى رفع الفائدة وإزعاج سوق الأسهم.
هذه المخاوف كانت واضحة قبيل الاجتماع الأخير للفيدرالي ورغم أن رئيسه جيروم باول بعث برسائل لامتصاص قلق السوق، واستبعد رفع الفائدة لأكثر من عامين وكذلك قلل من مخاطر التضخم، فالأمر لايزال محل تشكيك والمخاوف قائمة «في سوقي الأسهم والسندات».
على سبيل المثال، قال المستثمر «راي داليو» مؤسس أكبر صندوق تحوط في العالم، إنه مع تعافي الاقتصاد الأميركي حاليا، بدأت ضغوط التضخم في الظهور، متوقعا أن يجبر الفيدرالي على رفع معدلات الفائدة أسرع من المتوقع مع تسارع التضخم.
المستثمر بيل جروس، يقول أيضا إن التضخم سيتسارع جراء حزم التحفيز المالي، حيث أن حزمة التحفيز البالغة 1.9 تريليون دولار إلى جانب حزمة أخرى محتملة لتدعيم البنية التحتية، ومع ارتفاع دخل الأسر، سيقفز التضخم إلى ما بين 3% و4% قريبا.
ووفقا لتحليل أجراه مصرف «كريدي سويس» لأداء السوق منذ عام 1900، فإن الاستثمار في السندات الحكومية الأميركية رغم اشتهاره بالأمان قد يسجل خسائر صافية بسبب التضخم على المدى الطويل، كما حدث في فترة امتدت 57 عاما في القرن الماضي.
بدأت فترة السبعة والخمسين عاما التي فقدت فيها السندات الحكومية الأميركية قيمتها بسبب التضخم في عام 1924، عندما بلغ عائد سندات الخزانة لمدة 10 سنوات 3.93% وكان التضخم على مدى 12 شهرا لاحقة سالب 0.58% (انكماش وليس تضخم)، وبالتالي كان العائد الحقيقي المعدل حسب التضخم للسندات أجل 10 سنوات في ذلك الوقت 4.51%، حسب موقع «أرقام».
في المقابل، استقر عائد السندات لأجل 10 سنوات عند 1.53% في الحادي عشر من مارس الجاري وبلغت توقعات مؤشر التضخم على مدى 12 شهرا قادمة 1.68%. لذا، فإن العائد الحقيقي المماثل في هذه الحالة هو سالب 0.15%، وهو عائد منخفض بشدة يشكل رياحا معاكسة للسوق أقوى للسوق في السنوات المقبلة.
يستدعي ذلك إعادة النظر في الرواية الشهيرة القائلة ان السندات أقل خطورة من الأسهم، حيث أن «المدى الطويل» القابل للمقارنة للأسهم الأميركية هو 16 عاما. كانت هذه أطول فترة منذ عام 1900 حققت فيها الأسهم الأميركية عائدا حقيقيا سالبا.
وبافتراض أن الحكومة الفيدرالية لا تتخلف عن السداد، فإن سندات الحكومية الأميركية بلا شك أكثر أمانا من الأسهم، ولكن، كما أشار محللو «كريدي سويس» فإن «هناك ثمن يجب دفعه» مقابل هذه السلامة وبالنظر إلى العائدات المعدلة حسب التضخم «فهناك فرصة كبيرة لخيبة الأمل».
وضع السوق مخيف
ليس بالضرورة طبعا أن يكون المستقبل نسخة من الماضي، لكن في ظل أسعار الفائدة المتدنية للغاية حاليا، وبالنظر إلى المعطيات الأولية لدراسة «كريدي سويس» والوقت الراهن، فإن المستقبل قد يكون أسوأ لسوق السندات وليس أفضل.
وفي تصريح مؤيد، يقول داليو إن أساسيات الاستثمار في السندات ومعظم الأصول المالية أصبحت «حمقاء»، ودعا المستثمرين إلى شراء السلع بدلا من الاحتفاظ بالسيولة أو الاستثمار في السندات خاصة مع احتمالات تسارع التضخم.
الاقتصادي محمد العريان يقول ان الفيدرالي سيضطر عند مرحلة ما إلى مراجعة معدل النمو بالرفع في ظل تحسن الظروف الاقتصادية، ومع ضعف العرض وتزايد الطلب، سيواجه مقايضة صعبة لمحاولة إرضاء أسواق الأسهم والسندات معا.
تبدو هذه المخاوف بشأن سوق السندات منطقية، خاصة في ظل توقعات بارتفاع معدل التضخم إلى هدف الفيدرالي، أو حتى إلى التقديرات الجامحة قليلا للبعض مثل جروس، الأمر الذي ينذر بعائد حقيقي أضعف بكثير من المسجل في الحادي عشر من مارس.
مع ذلك، يبدو أن هذه المخاوف ستتبدد إذا كانت رؤية الفيدرالي ومؤيديه ثاقبة في ما يتعلق بعدم استدامة الموجة القادمة من التضخم.
المتغير المزعج: التضخم
يرى الفيدرالي أن التضخم سيتجاوز هدفه البالغ 2% ليسجل 2.4% هذا العام، لكن ذلك سيكون صعودا لمرة واحدة، ويتفق معه صندوق النقد الدولي. ويقول محللون إن توقعات الارتفاع المستدام للتضخم في غير محلها وأنه من المبكر الشعور بالخوف إزاء احتمال تحول سياسية الفيدرالي.
وخلص تحليل لوكالة «رويترز» إلى أن أكبر البنوك المركزية في العالم ستتكيف مع ارتفاع معدلات التضخم، حيث أنه بعد عقد من تدني التضخم، أصبح لدى محافظو هذه المصارف الرئيسية فرصة لإعادة كتابة قواعدهم الخاصة حتى يتمكنوا من السماح لنمو الأسعار بتجاوز الأهداف.
ويرجح التحليل أيضا أن تدفع البنوك المركزية خطط التحفيز لاسيما في منطقة اليورو، مما يبقي تكاليف الاقتراض منخفضة مع تجاهل دعاة التشدد في مواجهة التضخم على الأقل حتى يعود النمو إلى مستويات ما قبل الوباء، وليس فقط بشكل عابر.
وأحد الأسباب الرئيسية التي تجعل مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي لا يخشون التضخم هذه الأيام هو الاعتقاد بأن لديهم أدوات لاستخدامها في حالة حدوث مشكلة، وفي حين أن رفع أسعار الفائدة هو الطريقة الأكثر شيوعا، فإنه ليس السلاح الوحيد، التدخل في مشتريات الأصول وتوجهات السياسية أداة فعالة.
مع ذلك، فإن هذه الأدوات لها تكلفة، ويمكن أن تكون مميتة لفترات النمو الاقتصادي التي تمر بها الولايات المتحدة. تحديدا، مشتريات الأصول وتوجهات السياسة يمكن أن تكون فعالة في تعطيل مسار النمو.
وقال الراحل رودي دورنبوش، الاقتصادي البارز في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ذات مرة، ان أي من فترات التوسع في النصف الثاني من القرن العشرين «لم ينته بسبب طول أمد النمو، ولكن قتل كل منها على يد الاحتياطي الفيدرالي».
وفي الشق الأول من القرن الحادي والعشرين، تتزايد المخاوف من أن البنك المركزي قد يصبح الجاني مرة أخرى، لاسيما إذا كان نهج السياسة السهلة للاحتياطي الفيدرالي، يحفز نوع من التضخم قد يجبره على الضغط على المكابح بشكل مفاجئ في المستقبل. فهل يكون الزلزال القادم في سوق السندات؟