Note: English translation is not 100% accurate
حرب العملات بين الصراع الاقتصادي والانكفاء القومي
15 ديسمبر 2011
المصدر : سي.ان.ان ـ العربية
أصبح التنبؤ بمستقبل العملات وتأثيرها على الاقتصاد الدولي واحدا من المهن المجدية والجاذبة لاهتمام الناس وقراراتهم. وعندما يستخدم مصطلح «حرب العملات» يبرز إلى ذهن المختصين والمهتمين عدد من المؤلفات الحديثة حول الموضوع، والتي احتلت قوائم الكتب الأكثر مبيعا.
وحرب العملات ليست ظاهرة حديثة، بل هي تشير إلى التخفيض التنافسي الذي تمارسه بعض الدول لزيادة صادراتها وتقليل مستورداتها من أجل تقليص العجز التجاري أولا، وتحريكا للاستثمار في الدول المخفضة ثانيا سعيا لخلق مزيد من فرص العمل للعاطلين عنه.
وقد مورس هذا التخفيض التنافسي مرات كثيرة. ولكن فائدته عبر الوقت تتقلص إن لم تتبخر لأن الدول الأخرى تحذو حذو الدول المخفضة مما يقلل من الفوائد المرجوة منه على الجميع. وكذلك، فإن من آثاره السلبية تقليص القوه الشرائية للعملة المحلية داخل الأسواق المحلية. وبمعنى آخر فإن التخفيض يكون مصحوبا في العادة بارتفاع في الأسعار لأنه قلل من قيمة العملة بقرار، ولأنه إن نجح في زيادة الصادرات وتقليل المستوردات فسوف يقلل من حجم السلع المعروضة في السوق المحلي مما يرفع الأسعار.
ولقد رأينا في الآونة الأخيرة أن الأزمة المالية في أوروبا قد أزمت بدورها وضع «اليورو». ولكن إصرار الولايات المتحدة بالمقابل على عدم رفع سعر التبادل للدولار خلق حالة من التقلب في أسعار العملات. وذلك لأن أوروبا تشكو من أن وضعها الداخلي الاقتصادي لا يبرر ارتفاع سعر اليورو مقابل الدولار، وإذا بقي اليورو مرتفعا فإن فرص تحسن الاقتصاد الأوروبي سوف تتضاءل.
وكذلك، فإن الولايات المتحدة والصين قد دخلتا منذ أيام الرئيس جورج بوش الابن في جدل مستمر حول سعر تبادل العملة الصينية (اليوان) مقابل الدولار الأميركي.
فالميزان التجاري بين البلدين كان باستمرار لصالح الصين. وقد أدى هذا الحال، الذي استمر لحوالي ثلاثة عقود، إلى زيادة مديونية الولايات المتحدة للصين، حيث بلغت حوالي ثلاثة تريليونات دولار، وإلى زيادة الاحتياطات الأجنبية الصينية. وقد مارست الولايات المتحدة ضغوطا على الصين لكي ترفع سعر عملتها، ولكن الأخيرة رفضت، ورغم الضغوط عليها فإنها اكتفت فقط بزيادة الفائدة على الودائع بالعملة الصينية المحلية بنسبة ضئيلة. وكان موقف الصين دائما أن المشكلة لا تكمن في انخفاض سعر اليوان، بل في الاقتصاد الأميركي الذي تراجعت إنتاجيته وتنافسيته.
وفي عام 2007 صدر كتاب «حرب العملات» للكاتب الصيني «سونج جونج بنج» باللغة الصينية، وسرعان ما ترجم إلى لغات أخرى. وفيه يقول الكاتب إن البنوك الأميركية هي التي تقوم بممارسات خاطئة من أجل الحفاظ على مصالحها، وهي وراء حرب العملات. وتوقع الكاتب حدوث أزمة مالية في الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي قبل حدوثها فعلا عام 2008.
وتصادف أن اقتصاديا أميركيا من أصول إيرانية اسمه «نوريل روبيني» قد أصدر تنبؤات مشابهة لذلك عبر مركزه المسمى «روبيني للاقتصاد الدولي»، وطالب بالعودة إلى قاعدة الذهب والاستغناء عن العملات.
وصدر في شهر نوفمبر من هذا العام كتابان بعنوان حرب العملات، الأول هو «حرب العملات 3» للكاتب الصيني سونج، والذي سبق له أن أصدر «حرب العملات 2» عام 2009. وكتاب آخر لخبير أميركي في بورصة نيويورك والبنوك الاستثمارية اسمه «جيمس ريكاردز»، ويطالب فيه أيضا بالعودة إلى «قاعدة الذهب».
والطريف أن الكاتب الصيني سونج الذي باع كتابه في الصين مليون نسخة قد تخلى عن ديبلوماسيته في الجزء الثالث، واتهم المصارف الأميركية بأنها وراء المؤامرة من أجل حصر الثروة فيها. وقد ذكر في كتابه أن «أسرة روتشيلد» المعروفة تمتلك ثروة مقدارها خمسة تريليونات دولار في الوقت الذي لا يملك فيه بيل غيتس مؤسس مايكروسوفت سوى أربعين مليارا.
من الواضح أن الحديث عن «حرب العملات» لم يعد موضوعا فنيا، بل صار حديثا قوميا في الصين والولايات المتحدة. فالكاتب «سونج» مثلا يتوقع أن تنضج حرب العملات عام 2024، وعلى الصين أن تبني عزلة مالية عن الاقتصاد العالمي لتحافظ على مكتسباتها. أما الولايات المتحدة فقد غضب بعض مسؤوليها غضبا شديدا على الأمم المتحدة لما أصدرت دراسة عام 2010 تقول فيها إن الاقتصاد الأميركي لا يمكن أن يستمر في تزويد الاقتصاد العالمي بالدولارات على حساب العجز في الموازنة الأميركية، والعجز في الميزان التجاري، ولذلك علينا أن نبحث عن نظام نقد دولي جديد غير معتمد على الدولار.
بقلم: د.جواد العناني
خبير اقتصادي وسياسي شغل منصب وزير الخارجية ورئيس الديوان الملكي الأردني سابقا