Note: English translation is not 100% accurate
حياتنا النفطية
2 أغسطس 2012
المصدر : الأنباء

بقلم: د. م. مصلح العتيبي - باحث في شؤون الطاقة الإقليمية
حين قررنا أنا واصدقائي التوجه لأداء العمرة في مثل هذا اليوم من الشهر الفضيل العام الماضي، أجمع الكل على أن تكون رحلتنا البرية بسيارتي الخاصة ليس لكونها الأجدد ولكن لأنها لا تستهلك من الوقود الكثير لقطع مسافة تقارب الـ 1600 كيلومتر.
تلك المسافة التي ما ان وصلنا للحرم المكي حتى حمدنا الله العلي القدير على جعلها يسيرة وقد قطعناها بكل يسر وسهولة وذلك بأقل من 24 ساعة.
تذكرنا كيف كانت رحلات أجدادنا على ظهور الجمال والمشقة التي تكبدوها من مسير طويل يقدر بشهر او يزيد قليلا.
رحلات كانت بحق متعبة وغاية في الصعوبة، تمضي فيها قوافل بطيئة بمؤونة وزاد بالكاد يكفيان لشق بطون أودية وكثبان يخيل للمسافر انها لا تنتهي.
وحين تحط قوافل الرحمن رحالها عند الحرم المكي كيف كانت آنذاك المعيشة؟ وكيف كانت يوميات من اغترب شهورا عديدة؟ كل ذلك في سير الأولين.
أما نحن، في رحلتنا الميمونة تلك، فقد انطلقنا على ركب من حديد يغطيه الكثير من الألياف الصناعية والبلاستيك المشتقة من البترول يسير الكل على عجلات من المطاط الصناعي.
وتلك الجملة في الحقيقة هي ما استهللنا بها أحاديث الطريق نطوي بها المسافات نحو وجهتنا الايمانية.
وكان الحديث، نحو نصف المسافة، عن أهمية النفط في حياتنا، ما أدهش الصحبة الكريمة لذلك المدى الكبير لارتباطه بكل أوجه حياتنا اليومية في عصرنا الحالي.
انها مسألة نشرحها بإسهاب كالتالي: لنتفق أننا سنحصي ما هو مشتق نفطي من حولنا ثم نرميه بعيدا ونرى كيف ستبدو حياتنا بلا نفط.
ولنبدأ باللباس، هب أنك تلبس الثوب الخليجي، أو البنطلون والقميص، فالكل مصنوع من قليل من القطن والكثير من مادة البوليستر، كما أن الأزرار والحزام (سواء الداخلي أم الخارجي) كلها مصنوعة من البلاستيك، ستجدنا رمينا في أقل الحالات 80% مما نلبس، أما أنا وأصدقائي المعتمرون فيبدو أننا سنبقى على احرامنا مدة طويلة. أمر آخر، نحن نلبس النظارات المصنوعة من عدسات (البولي كربونات) للقراءة أو عدسات لاصقة مصنوعة من البلاستيك، أو قل إنها صنعت من الزجاج الخالص ان كنت تجادل في الموضوع، اذن عليك برمي الاطار الذي يحتوي نظاراتك فهو مصنوع من البلاستيك المقوى.
وبما اننا نرمي كل ما هو مشتق من النفط، فلنكسر بطاقات الائتمان والصرف الآلي (فهي كلها بلاستيك)، وبطاقات الهوية والحبر الذي استخدم فيها أيضا.
ودعنا لا ننسى الحقيقة أن كل الأوراق النقدية يجب أن تحرق لأن الحبر المستخدم هو من مواد مركبة نفطية.
والآن، بعد أن أصبحنا نلبس ما يكاد يغطينا وليس معنا اي نقود (إعلانا لحالة افلاس)، لنذهب الى سيارتنا ونفرغها من البنزين والزيوت والشحوم النفطية وغير ذلك من كماليات تغطي الهيكل الخارجي، ليتبقى لدينا هيكل حديد ونحاس يقف بائسا على أربع من الحجارة لكنك لن تفرح كثيرا بهذا الحديد، فخام الحديد يستخرج من مناجم استراليا أو غيرها من الدول باستخدام معدات حفر المناجم وشاحنات نقل كلها تشتغل بمشتقات نفطية، كما ان المشتقات النفطية تدخل في صناعة الفولاذ كقوام رئيسي لتشغيل الآلات والمعدات لتفي بخطوط انتاج ضخمة كما هي في أيامنا هذه.
بعد ذلك، لم يتبق لنا الا أن نجري الى بيوتنا بعد أن فقدنا كل شيء في الخارج، حتى ان الطرق الاسفلتية ازيحت وكل ما هنالك من أعمدة اضاءة قد أزيل.
وحين نصل الى بيوتنا، للأسف، سنجدها حارة مظلمة فأصل التكييف والكهرباء يتولد باستهلاك مشتقات نفطية، ناهيك عن فقدان الكثير من «التشطيبات» من هنا وهناك، كل شيء رجع الى أصله لتجد أكواما من نحاس أو حديد منتشرة حول أركان البيت وانظر للماء المتسرب من شقوق الجدران والأرضيات لان تمديداتنا الصحية مصنوعة من (بي في سي)، مادة نفطية 100%.
أضف الى ذلك تحول الأثاث، كل الأثاث، الى كومة من الخشب المهترئ لأن المواد الداخلة في صناعة الاسفنج والقماش هي من الألياف المصنعة من البترول.
كل مطابخنا وما تحتويه في حالة من الفوضى نتيجة لما يبدو أن 90% من مواد التعبئة والتغليف مصنوعة من مشتقات النفط.
تفتح الثلاجة فتجد أن كل الخضراوات/الفواكه والمعلبات قد فقدت رونقها مما تم سحبه من مكوناتها من حافظات طعام ونكهات ومحسنات اللون كالذي تراه في بعض التفاح الأخضر من لمعان مدهش (تلك مستخلصات نفطية مطورة كيميائيا).
أضف الى ذلك زيادة سعر ما قد تجلبه من خضراوات محلية تتناسب طرديا مع زيادة أسعار وقود النقل، وما هو الا وقود بديل عن النفط غالي الثمن حاليا.
وأخيرا، سيطلب منك رمي العناصر التالية مما كانت سيدة المنزل قد خبأته عنك: الأسبرين، أحمر الشفاه، أدوات ومركبات المكياج، ما يحبه أطفالنا من علكة وحلويات مصبوغة، حبوب الفيتامينات ومعظم الأدوية، معجون الأسنان والفرشاة، المنظفات والمعقمات.. قائمة تحتوي على 6000 عنصر أو مركب مشتق من النفط.
اختتمنا حديثنا مع الصحبة الطيبة بحقيقة أن هناك جهودا حثيثة لبدائل عن النفط ابتدأت منذ عقود وما زالت مستمرة، غير انها بدائل لوقود وسائل النقل او توليد طاقة كهربائية فقط لا أكثر.
ويبقى النفط وسيطا رئيسيا أو محفزا لمعظم صناعاتنا المحلية والمستوردة، والنفط وقود رخيص ومتوافر على أقل تقدير لـ 50 سنة قادمة.
ونشير مرة أخرى الى أن مشتقات النفط الداخلة في معظم منتجاتنا الاستهلاكية ستبقى المسيطر الأوحد في غير أوجه توليد الطاقة أو وسائل النقل لعقود قادمة حتى تأتي البشرية على وسائط بديلة.
لا نقول بأن النفط سيتوقف فجأة في حينه وأن سيناريو العودة الى ظهور الخيل والجمال سيحدث في ليلة، ولكن آن الأوان لنا كشعوب الخليج العربي أن ننهض ببحوث في ايجاد مصادر بديلة عن النفط.
انها الحقيقة المرة التي ستواجه أحفادنا في المستقبل القريب ان لم يكن أبناؤنا أوفر حظا منا نحن آباءهم.
من أجل ذلك كان لزاما علينا نحن المتنعمين في وقتنا الحالي أن نكون أكثر عطاء لاستمرار ما نحن فيه من رفاهية لتصل الى أحفادنا ومن بعدهم.