ما أشبه الليلة بالبارحة فبينما تفاجأت الأسواق الأميركية بتراجعات حادة يوم الاثنين الماضي فيما عرف بـ «الاثنين الأسود» الذي توقعه الكاتب الاقتصادي البريطاني «لاري إليوت» في تقرير نشره قبل 24 ساعة من خسائر «وول ستريت» عام 1987 والتي فقد خلالها «داو جونز» 1175 نقطة في هبوط تاريخي للمؤشر بحسب موقع «أرقام».
وتشابهت الظروف بين الاثنين الأسود في 1987 وما حدث الأسبوع الماضي الى حد التطابق ففي صيف 1987 كان الاقتصاد الأميركي يبلي بلاء حسنا بالتزامن مع صعود قوى للأسهم في «وول ستريت»، التي استفادت من سياسات الاحتياطي الفيدرالي.
ويعود الفضل في ذلك لرئيس البنك المركزي آنذاك «بول فولكر» الذي خلص البلاد من الضغوط التضخمية المفرطة، بعدما شهدت أسوأ ركود منذ الثلاثينيات بسبب ارتفاع أسعار الفائدة لمستويات قوية، بحسب تقرير نشرته «الجارديان».
وما إن تراجع التضخم، انخفضت تكاليف الاقتراض بشكل حاد وتعافى الاقتصاد، وهو ما ساعد رئيس البلاد «رونالد ريجان» في الفوز بولاية ثانية بنتائج ساحقة في الانتخابات التي جرت عام 1984.
في الأساس، تولى «فولكر» هذه المهمة خلال عهد الرئيس الديموقراطي «جيمي كارتر»، لكن «ريجان» رأى أنه غير حريص على تنفيذ خطط تخفيف القواعد التنظيمية المالية لذا قرر استبداله بـ«آلان جرينسبان».
وبعد ذلك بشهرين ـ في أكتوبر عام 1987 ـ كان انهيار السوق الأميركي (الإثنين الأسود).
الظروف متطابقة
وقبل الاثنين الأسود الأسبوع الماضي كان واضحا ان الاقتصاد الأميركي ينمو بوتيرة معتدلة، والبطالة منخفضة، ثم ظهرت علامات التضخم، وأيضا كان الدولار ضعيفا ومستويات الأسهم في ارتفاع مستمر، ثم تم تغيير رئيس الاحتياطي الفيدرالي.
وينطبق الأمر ذاته على الوضع الحالي، حيث تولى «جيروم باول» قيادة البنك المركزي الأميركي خلفا لـ«جانيت يلين»، وسط تذبذب في أسواق الأسهم والسندات، وكانت أسباب «ترامب» لهذا التغيير مشابهة لدوافع «ريجان» قبل 30 عاما.
وأيضا كان لـ«يلين» دور كبير في مساعدة «ترامب» خلال عامه الأول من الرئاسة على تحقيق وعده للناخبين بتسجيل معدل نمو قوي، بالإضافة إلى ارتفاع الأسهم في «وول ستريت» إلى مستويات قياسية.
استشعار الخوف
ومؤخرا، بدأ «وول ستريت» استشعار الخوف إزاء احتمالات ارتفاع التضخم، وأظهرت البيانات استقرار معدل البطالة عند أدنى مستوياته في 17 عاما، ونمو الأجور بوتيرة سنوية هي الأسرع في ثماني سنوات.
وخلال الأسبوع الماضي، بدأ السوق ينتابه القلق من اضطرار الاحتياطي الفيدرالي لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة من المتوقع، وهو ما رجحته التكهنات بشدة مع تولي قائد جديد لدفة البنك المركزي للبلاد.
ورغم أن الأساسيات الاقتصادية يقال إنها جيدة ولن يكون هناك تهديد تضخمي حقيقي من ارتفاع الأرباح التي يتسبب فيها نمو الإنتاجية، لكن موقف السوق خلال الأسبوع الماضي، ليس سوى إعلان لقدوم عاصفة غاضبة.
وهكذا تتشابه الظروف والأسباب السابقة على حدوث الكوارث الاقتصادية ليفوز من يقرأ تاريخ الاقتصاد ويخسر كثيرا من تبهره أضواء النمو الاقتصادي دون استشعار الخوف في الوقت المناسب.