بقلم: نبيلة العنجري
تبقى الحوكمة والشفافية في إدارة الدولة والاقتصاد، في القطاع العام والقطاع الخاص، هدفا وطنيا كبيرا، ومدى النجاح أو الفشل فيه يؤثر مباشرة على المستقبل القريب والبعيد وعلى الاجيال القادمة، وفي حال لم تفلح الكويت في تحقيقه حاليا فقد لا تستطيع ذلك لاحقا، فالوعي الحالي بأهميته والإمكانيات المتاحة له قد لا تتوافر لاحقا، وسيكون الثمن باهظا جدا.
وتبسيطا للمفهوم بعيدا عن تعقيداته، يمكنني اختصار الحوكمة بأنها الإدارة الرشيدة والنزيهة للموارد والعمليات بكل جوانبها. وهذا يعني ان الوصول الى الحوكمة والشفافية يطرح تحديات لا يستهان بها لمعالجة ظاهرة الفوضى في الإدارة والمحسوبيات، بوعي أو من دون وعي، عن تجاهل أو عن فساد، وما يؤدي اليه كل ذلك من هدر وتفريط في الإمكانيات المالية والطاقات البشرية.
ولأن المخالفات والأخطاء والفساد والإفساد ظواهر ترافق الحياة في أي كيان ومكان، نظرا لطبائع بعض البشر أو طمعهم أو عدم مبالاتهم، تفرض تحديات المعالجة المدروسة آليات عمل دائمة، للتدقيق والتقييم والمحاسبة (والمكافأة)، فالحوكمة والشفافية تنتج عن زرع طويل المدى، لكن كل تأخر في هذا الزرع يؤدي الى استفحال ظواهر الفوضى والروتين والسرقة والهدر بكل معانيه.
وبدورها تنعكس هذه الظواهر، إنما بوتيرة مضاعفة، على جميع مكونات خطط التنمية وبرامج الإصلاح المالي والاقتصادي التي أعلنتها الكويت قبل أربع سنوات. وفي وقت تطلبت (كانت وما زالت) هذه الخطط استنفارا وحشدا، استمر الهدر المالي والبشري وسوء الإدارة والروتين في عرقلة هذه الخطط رغم بريق أهدافها العامة وأهدافها التنفيذية المدروسة من كويت جديدة ومركز مالي وتجاري ورؤية الكويت 2035.
3 مؤشرات ومخاوف
وما يؤكد المخاوف في تأخر تطبيق الحوكمة أو الادارة الرشيدة والشفافية ثلاثة أمور أو مؤشرات:
1- مواقف مسؤولين مثل المستشار الاقتصادي في الديوان الأميري د.يوسف الابراهيم الذي حذر مؤخرا (لدى ترؤسه حلقة نقاشية نظمها مركز صندوق النقد الدولي للاقتصاد والتمويل في الشرق الأوسط والصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي) من أن الكويت «مقبلة على تحديات كبيرة خلال السنوات الخمس المقبلة»، مستندا الى بيانات تشير لعجز متوقع في الميزانية في 2019/2020 بحدود 7 مليارات دينار، «بالإضافة إلى تراجعات أسعار النفط المتوقعة»، في وقت ترتفع مصروفات الميزانية العامة للدولة بواقع 5% سنويا ويستمر السحب من الاحتياطي العام للدولة.
2- ظاهرة تأخر المحاسبة والمساءلة الى ما بعد انكشاف وتضخم الملفات المتعلقة بسوء الادارة وبالروتين ومكافحة الفساد والرشى والمحسوبيات، كما حصل في انكشاف قضية البنى التحتية التي انهارت بفصل أمطار غزيرة، أو ملفات النصب العقاري المحلية والعابرة للحدود، ملف ضيافة وزارة الداخلية، أو ملف الشهادات الجامعية المزورة التي لم تنته فصولها بعد.. وغير ذلك كثير.
3- تأخر إقرار الكويت لقوانين جديدة لا تستقيم الحوكمة والإدارة الرشيدة من دونها، وكان يفترض إنجازها قبل أو بالتزامن مع انطلاق الخطط الخمسية للتنمية، كضرورة لتحسين بيئة الأعمال في البلاد، (مثل قوانين مدققي الحسابات، وحماية المنافسة، والإفلاس، إضافة إلى قوانين حق الاطلاع على المعلومات، وتعديل قانون الشركات، ونشاط التأمين، الخ).
ويأتي في هذا السياق ما نشر هذا الأسبوع عن تقرير للأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية بان هناك 20 مشروع قانون لدى الجهات المعنية منذ فترات طويلة لم تنجز بعد مما يشكل سبب تأخر بعض مشاريع التنمية. وحجم هذه المسائل تؤشر إلى أن الكويت ستبقى تواجه تحديات كبيرة من هنا وحتى حلول العام 2035، وليس فقط خلال السنوات الخمس القادمة.
ما الذي يمكن عمله إذن؟
حيال ذلك، فإن الأمل الباقي الممكن هو الحد من تراكم سلبيات ومشاكل هذه التأخير (والتردد)، وإلا فإن التحديات وبالتالي تداعياتها السلبية ستتراكم وستزداد اكثر فاكثر مع الوقت بحيث يكون الحصاد بعد 15 عاما مخيبا وباهظ الثمن على الجميع. ومن أجل ارتباط هذه التحذيرات بمستقبل الكويت القريب، لا بد من سلوك كل السبل الكفيلة بإقناع كل العاملين في الإدارة بكل مستوياتها، ومراكز القرار السياسي طبعا، بأن التهاون والتساهل وعدم المبالاة والأداء الروتيني تعني ان تأخر أو سوء تنفيذ «كويت جديدة» الموعودة سينكشف هذه المرة على مستوى العالم ومن دون رحمة، حتى من قبل «الشركاء» الاستراتيجيين، من دول تتعامل معنا لأول مرة بهذا القدر، كالصين، ومن مستثمرين وشركات ومستشارين عالميين من مختلف أنحاء العالم.
ولا ننسى طبعا، حكم التاريخ الذي سيسجل ان الكويتيين، رجالا ونساء، حكومة ومجلسا وقطاعا عاما وقطاعا خاصا ومجتمعا أهليا، فشلوا في عام 2035 في إثبات قدرتهم وكفاءتهم وتحقيق أهداف وضعتها قيادتهم قبل عشرين سنة من أوانها.