- الوحدة النقدية حتمية يفرضها عدد من العوامل المشتركة منها وحدة اللغة وتشابه اقتصادات دول مجلس التعاون
أسامة دياب
أكد الخبير الاقتصادي البريطاني ديڤيد مارش أن دول الخليج تمتلك عددا من الأسباب المتنوعة والوجيهة، والتاريخية، والثقافية والاقتصادية والتي تدفع باتجاه إقرار العملة الخليجية الموحدة، موضحا أن هذه القضية كانت مثار نقاش استمر على مدار أكثر من 50 عاما، مشيرا إلى أن أهمية العملة الخليجية الموحدة تكمن في أن المنطقة غنية بالمركبات الهيدروكربونية، فدول الخليج تمتلك ما يعادل 40% من احتياطي النفط العالمي و23% من المخزون العالمي للغاز الطبيعي، وما يوازي من ترليون إلى ترليون ونصف دولار من الأسهم بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من الموجودات القابلة للتسويق على شكل صناديق مالية مستقلة، إلا أن العنصر الأهم هو قدرة دول الخليج على خلخلة الدور المركزي والرئيسي للدولار عن طريق فك الارتباط النقدي بالعملة الأميركية.
جاء ذلك في مجمل كلمة ألقاها أثناء محاضرة أقيمت في مكتبة الجامعة الأميركية مساء أمس الأول تحت عنوان «توحيد العملة النقدية في الخليج» بحضور عدد من الأكاديميين والطلاب والمهتمين بالشأن العام.
ولفت مارش إلى ضرورة النظر بعين الاعتبار إلى نقاط التشابه والاختلاف بين النظام الأوروبي للعملة وملابسات ولادة العملة الخليجية الموحدة، مشيرا إلى أن اليورو أخذ أيضا أكثر من 50 عاما من المناقشات والمساومات السياسية ليرى النور.
وشدد على أنه لا يفضل الخوض في الاسم المقترح للعملة الخليجية الموحدة لأن ذلك أشبه ما يكون بوضع العربة أمام الحصان، فاسم العملة يجب أن يكون آخر ما تتم مناقشته بعد عدد من القرارات الهامة مثل الموافقة على إقرار العملة الموحدة والاستقرار على تحديد مكان البنك المركزي، مبينا أن الدول الأوروبية توصلت لاتفاق حول اسم العملة الأوروبية الموحدة في ديسمبر عام 1995 أي بعد أكثر من سنتين من إقرار البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت، وعليه فإنه الدول الخليجية ستحتاج لأعوام لتستقر على اسم مناسب ضمن قائمة طويلة من الأسماء المقترحة.
وأشار إلى أنه بالعودة إلى تاريخ العملات في العالم نجد أن اليونان هي صاحبة التاريخ الأكبر من خلال عملتها الدراخمة والتي ظهرت في القرن السادس قبل الميلاد، مشددا على ضرورة أن تتعلم دول الخليج من الدرس الأوروبي وتعي أن عملية توحيد العملة طويلة ومعقدة وتحتاج لدرجة أكبر من التعاون السياسي والسلطة المالية المركزية.
وأوضح مارش أنه بالرغم من كون العملة العربية الموحدة هي حلم المستقبل إلا أن لها جذور تاريخية وتعتبر امتدادا طبيعيا للماضي فالشرق الأوسط هو مهد ما يعرف بالنقود، وإذا كان صك العملة لم يظهر إلا في أواخر القرن السابع قبل الميلاد إلا أن الاستخدام المالي للمعادن الثمينة يرجع إلى القرن الثالث الميلادي في العراق ومصر، موضحا أن أول من استخدم العملات هي مملكة ليديا في غرب آسيا والتي كانت تستمد ثروتها من نهر محلي والمناجم الغنية بالكهرمان المعدني الذي هو خليط بين الذهب والفضة ومن هذا المعدن صنعت أولى العملات في تاريخ أوروبا.
ولفت إلى أن النشاط التجاري الذي خلقه اليونانيون كان وراء المطالبات الاقتصادية بضرورة وجود شكل نقدي مقبول يستخدم في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وبالتالي كان الانتشار السريع لاستخدام العملة في العالم القديم مرتبطا ولو بشكل جزئي بتطور الفكر اليوناني والرغبة في خلق نظام نقدي قابل للتطبيق وهذا ما يشبه إلى حد كبير الأفكار التي دفعت بقوة تجاه اليورو بعد 2500 عام من الزمان، لافتا إلى أن نظام الحكم الإسلامي الذي تأسس في القرن السابع خلق عملة موحدة يتم تداولها من اسبانيا وحتى وسط آسيا.
وبين أن الدول العربية في منطقة الخليج مقدر لها أن تبدأ وحدة مالية، فالمنطقة تقودها المملكة العربية السعودية وتعتبر القلب النابض تتمتع بعدد من العناصر المشتركة منها وحدة اللغة وتتشابه اقتصاديا من خلال اعتمادها على النفط والغاز الطبيعي بالإضافة إلى كونها لم تتعرض للتمزق والشتات الذي تسببه الحروب الأهلية والتي كانت تظهر في أوروبا على مدار الـ 500 عام الماضية، لافتا إلى أن 22 دولة عربية أعربت عن استعدادها للتعاون فيما يخص السياسات النقدية من خلال خطة متكاملة لبدء تداول عملة عربية موحدة هي الدينار العربي، وبالرغم من كونها خطة طموحة تهدف للتكامل الإقليمي لكنها لم تنجز، وفي عام 1998 أسست منطقة التجارة الحرة إلا أنها لا تعتبر تكاملا اقتصاديا إقليمي بالمعني المفهوم نظرا لضعف حجم التبادل التجاري، مشيرا إلى أن تركيز التجارة مع الغرب وحصرها في النفط والغاز الطبيعي أضاف نوعا من الرفاهية لدول الخليج ولكنه في الوقت ذاته أدى لتراجع التكامل الإقليمي وبالرغم من المحاولات الحثيثة لدول الخليج لتنويع مصادر الدخل إلا أن تعاونها لايزال لا يتمتع بالديناميكية المطلوبة.
وأكد على أن أهم ما يبعث على التفاؤل في التجربة الخليجية هو تشابه اقتصاديات دول الخليج أكثر من دول الاتحاد الأوروبي ودول جنوب شرق آسيا والتي تعتبر متعاونة ماليا، مشيرا إلى أنه بالرغم من الإعلان عن تحديد عام 2010 كموعد لبداية تداول العملة الخليجية الموحدة إلا أن إقرارها تأجل ويعكف الآن التكنوقراطيون العرب على جمع الإحصاءات وتهيئة البيئة الملائمة لبدء العمل بالعملة الموحدة.
وشدد على أن ارتباط العملات الخليجية بالدولار قضية بالغة الأهمية، فالكويت على سبيل المثال كانت قد ربطت الدينار بسلة من العملات في عام 2007، موضحا أنه بالرغم من أن الارتباط بالدولار سهل من عملية التحول الاقتصادي إلا أنه أيضا أسهم في هبوط تلك العملات مع الدولار لدي مروره بأي أزمة مالية.
ولفت إلى أن أكثر المتفائلين يعتقد أن العملة الخليجية الموحدة ستأخذ 10 سنوات على أقل تقدير لترى النور بالرغم من تصريح أحد القادة الاقتصاديين البارزين في مجلس التعاون أن بداية العملة الخليجية الموحدة ستكون في عام 2015، مشيرا إلى أن المرحلة القادمة تحتاج لمزيد من الإرادة السياسية لتحقيق الهدف.
وأشار لبحث قام به البنك المركزي الأوروبي في يونيو عام 2005 تم فيه تحديد عدد من مؤشرات النجاح للعملة الخليجية الموحدة منها التوافق السياسي، وصناعة القرار السياسي المالي، واستقلالية البنك المركزي والاستقرار على احتياطات تداول العملة الأجنبية، وآليات الدفع، ومعايير التحول الاقتصادي والإطار المالي.