بقلم: د.عبدالوهاب عبدالقادر السرحان
مع تفشي فيروس كورونا المستجد في أكثر من 180 دولة بحسب الأرقام المعلنة من جامعة «جونز هوبكنز» الأميركية، وبعد إعلان منظمة الصحة العالمية بأن «كوفيد ـ 19» بات وباء عالميا يهدد العالم بأسره، شرعت أغلب الحكومات في الدول الموبوءة في اتخاذ العديد من التدابير والإجراءات الاحترازية غير المسبوقة للحد من انتشار هذا الفيروس وذلك للحفاظ على سلامة مواطنيها وتحقيق قدر من الأمان لهم.
ومن الظواهر التي برزت بشدة وانتابت شعوب العالم نتيجة تفشي هذا الفيروس ظاهرة الإقبال المفرط على شراء السلع الاستهلاكية وبالأخص الغذائية منها وتخزينها بكميات كبيرة نتيجة الخوف من استمرار هذا الوباء لأشهر طويلة رغم التطمينات المتكررة من الحكومات لشعوبها بقدرتها على مواجهة هذا الحدث والجهود الحثيثة التي تبذلها تلك الحكومات لتوفير الاحتياجات من السلع الضرورية، إلا أن هذه الظاهرة لازالت تتنامى وبشكل كبير.
ولدراسة هذه الظاهرة، نسلط الضوء على أبرز فروع علم الاقتصاد الذي يقدم تفسيرا لتصرفات المستهلك أثناء الأزمات وهو الاقتصاد السلوكي، فهو أكثر مواءمة في تحليل سلوك المستهلك، خاصة إذا تغلبت مشاعر الانسان على العقلانية والرشد الذي تفترضه النظرية الاقتصادية.
ومن أشهر العلماء المعاصرين المختصين في علم الاقتصاد السلوكي هو الاقتصادي ريتشارد ثالر الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد للعام 2017 عندما ساهم بحثه في تفسير سلوك الفرد الاقتصادي بشكل دقيق، ويعتبر الاقتصاد السلوكي من العلوم الفرعية الحديثة نسبيا في علم الاقتصاد، حيث يهتم بتفسير تصرفات أفراد المجتمع غير العقلانية عند اتخاذ القرارات الاقتصادية والاستهلاكية كعملية الشراء بالنسبة للمستهلك، وإليك عزيزي القارئ بعض ما تطرق إليه علم الاقتصاد السلوكي في تفسير فرط الاستهلاك أثناء الأزمات:
تطرقت نظرية الاقتصاد السلوكي إلى أن الأحداث التي مر بها الفرد في الماضي قد تؤثر وبقوة على صنع القرار الاستهلاكي الحالي.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، يتذكر الأفراد الذين عاصروا فترة الغزو العراقي الغاشم على الكويت وما واجهوه من نقص في بعض المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية، فينعكس ذلك على سلوكهم أثناء أزمة كورونا الحالية حتى وان اختلفت الظروف والأسباب.
ونتيجة لذلك، يستمر الناس في الانفاق على المشتريات الزائدة عن حاجاتهم الحقيقية تفاديا لما شعروا به من تجربتهم السابقة على الرغم من تطمينات الحكومة الكويتية متمثلة في معالي وزير التجارة والصناعة بتحصين الأمن الغذائي والسلعي لمدد طويلة قد تتعدى السنة في بعض الأنواع من السلع.
فهذا التصرف العفوي من قبل المستهلك قد يؤدي إلى ربكة في أداء الجهات المعنية وحدوث نقص فعلي في توفير بعض السلع دون وجود أي مسببات لهذا النقص سوى سلوك المستهلك غير الرشيد.
ويشير الاقتصاد السلوكي إلى أنه من أسباب الإسراف في عملية الاستهلاك: الخوف من الزيادة المفاجئة لأسعار السلع والخدمات أو ما يسمى بالتضخم المصطنع الناتج عن استغلال بعض التجار للأزمات ومنها أزمة كورونا، وهذا ما شهدناه فعلا في كثير من الدول التي اجتاحها فيروس كورونا، إلا أن هذا النوع من المخاوف ليس له أي تأثير على القرار الاستهلاكي في الكويت نتيجة لإحكام القبضة الحكومية على تلاعب البعض بأسعار السلع والخدمات منذ بداية أزمة كورونا، حيث تقدر نسبة التضخم لشهر (مارس 2020) 1.7% وهي مقاربة لنسبة التضخم لشهر (فبراير 2020)، والتي بلغت 1.67% على أساس سنوي، وتصنف هذه النسبة على أنها طبيعية في مقياس «مؤشر سعر المستهلك».
كما يتأثر المستهلكون في اتخاذ قراراتهم الاستهلاكية بالشائعات التي تطلق عبر وسائل الإعلام المختلفة، فعندما يتم تناقل أي خبر غير حقيقي عبر وسائل التواصل الاجتماعي كانخفاض مخزون سلعة ما من السلع الغذائية ينقسم الناس إلى قسمين قسم يصدق الشائعة والآخر يكذبها، أما القسم الأول فيسعى إلى شراء هذه السلعة بكميات زائدة عن الحاجة إلى أن تقل في الأسواق ليس بسبب نقص المخزون وإنما بسبب بطء الخدمات اللوجستية من نقل وتوزيع والتي كانت تعمل بشكل جيد في الظروف العادية، وبالتالي يصدق من كذب الشائعة في البداية لأنها أصبحت في الظاهر حقيقة مما يؤدي إلى أن يهرع الجميع إلى الأسواق المركزية (ظاهرة سلوك القطيع) بحثا عن هذه السلعة التي شحت، فأصبحت الشائعة واقعا يرى كما حدث في أزمة البصل التي مازالت آثارها قائمة.
يمثل الإسراف في الاستهلاك الناجم عن الأسباب سالفة الذكر وغيرها من الأسباب التي لم يسعنا ذكرها تهديدا جليا على المخزون الاستراتيجي لأي دولة كانت ومهما بلغت قوة هذا المخزون، ولتقليل حدة هذه الآثار لابد من رسم سياسات استثنائية تعزز وتكثف من دور الإعلام في ترشيد سلوك المستهلك على أن تكون هذه السياسات متماشية مع تطور الإعلام المرئي والمسموع والمقروء ناهيك عن وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك على الحكومة دحض الشائعات المتداولة فورا بالسرعة والحزم المطلوبين، وتشديد العقوبات على مطلقي الإشاعات ومروجيها لما لها من الأثر البالغ على الأمن الغذائي بل وحتى الأمن القومي، وفي حال استمرار السلوك الاستهلاكي المفرط وعدم الاستجابة للإرشادات الداعمة لتقويم سلوك المستهلك، تلجأ الحكومة إلى سياسة تحديد السقف للمشتريات الاستهلاكية، لاسيما الغذائية منها بغرض الحفاظ على المخزون الاستراتيجي لهذه السلع، إلا أننا لا نتمنى الوصول إلى هذا النوع من السياسات.
فإلى سعادة المستهلك مواطنا كنت أو مقيما، نراهن على وعيك ومسؤوليتك تجاه هذا البلد المعطاء ودورك في الابتعاد عن السلوك الاستهلاكي غير المبرر ونشر ثقافة ترشيد الاستهلاك بين أفراد أسرتك ومجتمعك استجابة لتعليمات حكومة الكويت التي أبلت بلاء حسنا في هذه الأزمة حتى الساعة، وذلك لمواجهة جائحة عالمية لا يعلم منتهاها إلا الله.