في مشهد من مشاهد انكشاف الأخطاء بسبب جائحة كورونا، برزت بشكل مفاجئ اختلالات الهيكل التنموي للكويت، اختلالات طالما أشارت الى ضرورة تصحيحها خطط الدولة الخمسية منذ عقدين من الزمن، ومنها اختلال التركيبة السكانية، ولكن دون معالجات تذكر.
لقد كان من السذاجة الإستراتيجية سواء التنموية أو الأمنية إهمال موضوع تصحيح التركيبة منذ احداث شغب منطقة خيطان عام 1999الذي أشعله بعض منتسبي احدى الجاليات وهذا الإهمال المتراكم هو من قادنا إلى شغب جديد في مراكز الإيواء، وما واكبها من مشادات متهورة وغير منضبطة في وسائل التواصل الاجتماعي خرجت عن نطاق سيطرة السلطات في الكويت، وبغض طرف من جانب السلطات في مصر.
هو خطأ كويتي بالدرجة الأولى في عدم تصحيح الاختلال منذ عقود بل والغفلة عن تناميه وتفاقمه بسبب تعاظم مافيا تجار الإقامات. وما اصبح يثير القلق الآن هو حرب ضد المستشارين العرب، والمصريين تحديدا العاملين في الكويت.
إذ فتحنا المدافع عليهم بالجملة، فقط لأن هناك من وجد حالات تستحق الانتقاد فأخذ ينادي بإحلال الكويتيين مكانهم كيفما اتفق. وأصبح الجميع يضع نفسه في مستوى من رجاحة العقل الإداري والإدراك التنموي كي يفتي في شأن الاستغناء عن خدمات موظفين في مستوى العمل الاستشاري.
يجب أن لا ننسى أن التشريعات التي تمثل البنية القانونية الأساسية للكويت هي في الواقع مستمدة من القوانين المصرية وأرسى قواعدها خبراء قانون مصريون، والتي بدورها أتت من الدولة الأعرق في سن القوانين الوضعية وهي فرنسا.
عندما تستورد جهازا ما واستشكل عليك فهم كيفية عمل الجهاز أو طرق صيانته فلا شك ستطلب خبيرا من دولة المنشأ التي صنعته، والشأن ذاته ينطبق على الجانب القانوني إلى ان تتوافر خبرة الاكتفاء الذاتي، وهي ليست متوافرة بشكل كاف في المستوى القانوني.
الكويت تذخر بالمختصين الكويتيين لكن برأيي هم ليسوا بالعدد الكافي ولا بالقدرات الوافية، لذا لا غنى عن المستشارين العرب والمصريين تحديدا. فقبل سنوات عديدة شكل أحد الوزراء لجنة برئاسته تختص في اقتراح قانون اقتصادي، كنت حاضرا، وكان من جملة المستشارين بعض الدكاترة الجامعيين الكويتيين وغيرهم، بل واستعان الوزير بفريق أوروبي من البنك الدولي للمساهمة في بلورة مقترح للقانون ولكن دون جدوى، بل كان مقترح البنك الدولي ركيكا إلى حد التفاهة!
استعان الوزير حينها بمستشار سوداني من خارج الفريق، فصنع هذا المستشار الفرق، وظهر مقترح القانون بشكل أرضى الجميع.
وفي حالات أخرى، كان للمستشار المصري تحديدا سواء في إدارة الفتوى والتشريع أو غيرها الدور الأبرز في اقتراح صياغات عجز عنها الآخرون، ناهيك عن انهم مؤلفو الكتب الأبرز في القوانين والعقود، ولهم الباع في المرافعات القضائية في المحاكم المصرية التي يحضرهــا المحامــون من الكويت للاستـــزادة في الخبرة منها، وهم من يمســـك مكاتـــب المحامــــاة والاستشارات القانونية في القطاع الخاص.
من لم يخض أو يتعاطى في الشأن ذي الطابع القانوني أو الاقتصادي على المستوى التنموي للدولة يحسب أن أمر الاستغناء عنهم هين. ويتحدث البعض عن المستشارين المصريين وكأنه يعدهم في جملة عمالة البناء والمقاولات البسيطة التي تسببت في إثارة المتاعب والفوضى في مراكز الإيواء مؤخرا.
لذلك.. لنتحلّ ببعض الحكمة، والحلم والأناة.
*محمد موسى الصالح - استشاري اقتصادي - مدير عام اتحاد الصناعات الكويتية سابقاً