يروي الخبير والمقيم العقـاري عبـدالعــزيـز الدغيشم ذكرياته مع العقار في الكويت فيقول «بدأت في هذا المجال منذ اكثر من 32 سنة، حيث ورثت هذه المهنة عن والدي دغيشم الدغيشم، رحمه الله، الذي عمل في هذا المجال منذ منتصف القرن الماضي، حيث كان يملك مكتبا عقاريا في سوق التجار آنذاك».
عندما كنت صغيرا اختلطت بكبار تجار العقار الذين كان بعضهم لا يعرف القراءة والكتابة في ذلك الوقت، حيث كنت أجلس معهم لأقرأ لهم الصحف والخطابات التي تصلهم وأتعلم منهم هذه المهنة التي أحببتها منذ ذلك الوقت.
ومن خلال معاصرتي لوالدي، رحمه الله، وأصدقائه التجار الذين يوصفون بأنهم «الجيل الذهبي» تعلمت منهم الصدق والأمانة والالتزام بالكلمة، حيث كان تجار الكويت في السابق يلتزمون بالكلمـــة التــي يعطونـهــا، و تعلمنا منهم احترام الكلمة واحترام الآخرين، حتى لو بدون وجود عقد، وهي الأمور التي أصبحنا نفتقدها في أيامنا هذه في الكثير من الأحيان.
كانت عملية البيع والشراء تتم بسرية تامة بين البائع والمشتري والسمسار ولا أحد يعرف البائع والمشتري الا بعد أن تتم الصفقة وتنتهي، بينما أصبح البيع والشراء اليوم عبارة عن فخر ومباهاة، حيث يتباهى البعض بشراء عقار معين بمليون دينار أو أكثر في كل مكان.
السوق العقاري اليوم لم يعد فيه احترام، كما أنه أصبح يكتظ بالدخلاء الذين اضروا بالسوق، كما ان الترويج للعقار قد أصبح في كل مكان سواء عن طريق الصحف أو المجلات الاعلانية أو المواقع الالكترونية بشكل أساء للمنتج العقاري الذي أصبح يتداول في كل مكان بعد أن كان المنتج العقاري «عزيزا» وله قدره، فيما اختلط الحابل بالنابل في أيامنا هذه.
ويستذكر الدغيشم بعض المواقف الطريفة والمحرجة التي وقعت له أثناء عمله فقال إنه بينما كان يجلس في مكتبه في أحد الأيام دخلت عليه امرأة فظن أنها «شحاذة» فمد يده في جيبه ليخرج لها شيئا يسيرا، فإذا بها احدى زبائنه من اللاتي يملكن مجموعة كبيرة من العقارات فوقع في موقف محرج للغاية تصبب معه عرقا.
موقف آخر يستذكره الدغيشم عندما دخلت عليه سيدة أخرى كبيرة في السن اتفق معها على شراء عقار، حيث أحضرت معها عربون الشراء والبالغ 20 ألف دينار «كاش» بدلا من الشيكات، الأمر الذي وضعه في احراج أمام زبائن مكتبه الذين يراقبونه وهو يحصي هذا المبلغ الكبير.
موقف ثالث يستذكره الدغيشم عندما دخل عليه شخص كبير في السن مخاطبا اياه بصوت عال «أنت بوسعود» فأجابه نعم، فاذا بهذا الشخص يرفع يديه الى السماء عاليا، ليظن الدغيشم أنه ينوي به شرا، لكن هذا الرجل بدأ يلهج بالدعاء له بصوت عال بسبب نجاحه في اتمام صفقة شراء بيت كبير له ولعائلته، وعندها تنفس الدغيشم الصعداء وتبسم ضاحكا بعد أن كان خائفا منه.
وحث الــدغـيـشــم الشباب الكويتي على ضرورة تعلم تجارة العقار، مؤكدا أنه اذا لم يتعلم أبناء هذا الجيل في هذا الوقت أصول وقواعد بيع وشراء العقار ممن تبقى من كبار التجار والسماسرة، فإنه لن يتعلم بعد ذلك أبدا، لأن الجيل الحالي هو آخر ما تبقى من الأجيال الماضية، مؤكدا ان هذه المهنة هي مصدر شريف وجيد للكثير من الشباب الذي يضيع وقته في السهر بالديوانيات والمقاهي بلا طائل.