محمد الحسيني ـ بشرى الزين
امرأة حديدية ومناضلة يشهد لها العالم، قادها تاريخها الحافل لتكون أول رئيسة دولة في تاريخ قارة افريقيا.
واجهت السجن والنفي والخطر والتهديد المستمر بإرادة صلبة طيلة عقود، وعادت عام 1998 إلى بلادها ليبيريا المعروفة بكونها أول دولة نالت استقلالها في القارة السمراء لتواجه بقوة وعزم الديكتاتورية والحرب الأهلية وتجنيد الأطفال وأبشع عمليات القتل والتهجير.. انها الرئيسة ايلين جونسون سيرليف.
بمناسبة زيارتها الى البلاد التقينا الرئيسة سيرليف التي قالت انها تزور الكويت بناء على دعوة كريمة من صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد وبتوصية من سمو رئيس الوزراء الشيخ ناصر المحمد بهدف إعادة العلاقات الديبلوماسية بين البلدين والتي تعود الى الستينيات وقبل ان تدخل ليبيريا الحرب الأهلية.
ونفت سيرليف خلال اللقاء ما يشاع عن استمرار تعرض المسلمين في بلادها (تشير الإحصاءات إلى انهم يشكلون نحو 20% من السكان) للتمييز والمضايقات، مؤكدة انه في ليبيريا الجديدة كل المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات، وأعربت الرئيسة الليبيرية عن افتخارها بأن أهم ما قدمته هو تحسين صورة بلادها.
وحول الأعداد الكبيرة لـ «البدون» الذين يحملون وثائق رسمية وجوازات ليبيرية قالت انها فوجئت بالموضوع عندما أبلغت به، مشيرة الى ان الوثائق منحت خلال فترة الحرب وفي زمن كان الشعب الليبيري يعاني فيه بأكمله من الضياع، وأكدت أن أي شخص يحمل الجنسية الليبيرية عليه احترام قوانين البلد وألا يسيء إلى صورتها بالخارج.
وأشارت سيرليف الى انه رغم استمرار حظر استيراد السلاح في بلادها فإن عملية بناء الجيش مستمرة، وانه خلال 7 سنوات لم تشهد البلاد أي عملية إطلاق نار عسكرية، وأجواؤها الأمنية مستتبة تماما، بوجود نحو 8000 من قوات السلام الدولية فيها.
وأكدت الرئيسة الليبيرية ان المناخ الاستثماري في بلادها جيد جدا في ظل العمل المستمر على تحسين وتطوير القوانين وفي ظل الحاجة إلى تمويل عدد ضخم من مشاريع البنية التحتية والمشاريع الاقتصادية، معربة عن افتخارها بالدور الذي يلعبه القطاع الخاص في هذا المجال.
وعن نتيجة السنوات الأربع من أصل 6 سنوات ضمن ولايتها الأولى في الرئاسة قالت: أمنّا جزئيا الكهرباء والماء وشبكات الطرق وطورنا القطاعات التعليمية والصحية ولكن الأهم اننا أعطينا لشعبنا الأمل.
وفيما يلي نص اللقاء:
سيدتي، نريد في البداية التعرف على هدف زيارتكم الى الكويت وما انطباعكم الاول حولها؟
لي الشرف الكبير ان ازور الكويت بدعوة من صاحب السمو الامير الشيخ صباح الاحمد وبتوصية من سمو رئيس الوزراء الذي رحب بهذه الزيارة وتشرفت بلقاء صاحب السمو الأمير وحظيت باستقبال رائع في
مطار الكويت، والهدف من زيارتي هو تطوير وتعزيز العلاقات، هذه العلاقات الموجودة والتي تعود الى ستينيات القرن الماضي، والتي قطعت منذ سنوات الصراع في ليبيريا، ونتمنى لهذه العلاقات ان تبدأ من جديد
وان تعود الى سابق عهدها، نريد ايضا ان نتقدم بالشكر الى الكويت التي دعمت هذه العلاقات الثنائية في السنوات القليلة الاخيرة حيث تلقينا الدعم والمساندة من منظمة الامم المتحدة والبنك الافريقي للتنمية ومنظمة
الاتحاد الافريقي، وكلها مؤسسات تدعمها الكويت، وبما اننا نستفيد منها ومن برامجها فإن الكويت تدعمنا.
الخضرة والمرأة ما اكثر ما لفتكم في الكويت؟
لفتتني الخضرة وهذا يدل على مجهود كبير في هذا المجال، كما استمعت عن تجربة المرأة الكويتية وتطورها خاصة في مجال العمل السياسي وهذا امر مفرح. وصاحب السمو الامير الشيخ صباح الاحمد يستحق
التحية على دوره الكبير والمشهود في مجال منح المرأة حقوقها.
مجالات استثمارية
العديد من المهتمين بالشأن الاقتصادي ورجال الاعمال الكويتيون يودون معرفة المجالات الاستثمارية الجاذبة في ليبيريا وما الحماية القانونية التي تقدمها بلادكم للمستثمرين؟
ليبيريا تعتبر مصدرا للعديد من الثروات المعدنية مثل الذهب والنحاس والألماس، وهي معروفة ايضا بالزراعة، ونريد ان نرى استثمارات في البنية التحتية، والفرص في هذا المجال كبيرة، كما ان ليبيريا بلد سياحي
كذلك ونحن نرغب كذلك في تطوير نظامنا الصناعي خاصة في مجال الصناعات الزراعية التي تشتهر بها بلادنا، ولتحقيق كل ذلك نحتاج الى الاستثمارات، ونحن نسعى لايصال حقيقة ما توفره بلادنا من امكانيات
كبيرة للمستثمرين الكويتيين، في العام الماضي صنفت منظمة التمويل الدولية ليبيريا من بين الدول العشر الاسرع في تحسين مجال الاعمال، ومؤسساتنا تمتلك القدرات لتحريك القطاع الخاص وحكومتنا تعمل منذ
عامين على تطوير قوانينها المتعلقة بهذا المجال حتى تتوافق مع المعايير والجودة الدولية.
الأمل
بعد اربع سنوات من وجودكم وادارتكم للحكم في بلادكم هل انتم مقتنعون بما قدمتم لليبيريا؟
انا مقتنعة.. لكن في الوقت ذاته اريد الافضل لانه لدينا كفاءات وطنية يمكن استغلالها، عملنا الكثير على مستوى البنية التحتية والمدارس والكهرباء والماء والمستشفيات والطرق، ومع ذلك مازالت هناك سلبيات
كثيرة ونحاول تجاوزها بتشجيع القطاع الخاص ولدينا اقتصاد تشاركي وعملنا على الحد من المشاكل التي تعوق البنية التحتية ولدينا الآن التزامات بقيمة 7 مليارات دولار لتطوير القطاع الزراعي، ولكن نحن
صبورون وهذا سيتطلب وقتا، ونأمل ان تحقق شراكتنا مع المؤسسات المالية الدولية والافريقية ما نطمح اليه لاسيما على صعيد الحد من البطالة وتشغيل شبابنا، والاجراءات تأخذ طريقها الى نتائج تخدم شعبنا وجيل
الشباب، وبشكل عام فنحن مقتنعون ويمكن ان اقول كلمة واحدة: مسرورة لانها تعطي املا لشعبنا وان نمنح بلادنا صورة ايجابية ومشرقة.
الأمن في ليبيريا
وماذا عن الوضع الامني في العاصمة منروفيا الآن ولدى المواطنين الليبيريين؟
نشعر بالارتياح تجاه هذا الموضوع والناس في ليبيريا يستطيعون التنقل في امن في ارجاء البلاد، وخلال سبع سنوات لم نشهد اي حادث عسكري، ومن المهم ان اشير الى وجود قوات لحفظ السلام تقدر بنحو 8 آلاف جندي الآن، لكن بشكل عام نحاول اصلاح النظام الامني في بلادنا لتقديم الحماية لمواطنينا وقوات الجيش تعمل على تطوير قدراتها ايضا تدريبها يأخذ شكلا متقدما واعتقد ان تطوير النظام الامني مهم ايضا لمجال الاعمال. أما بالنسبة للجرائم العادية فهي تحصل كما في اي بلد آخر، ونحن نكافحها وليس هناك ما يدعو للقلق في هذا المجال.
كيف تنظرون الى العلاقات مع البلدان المجاورة لبلادكم خاصة انه كانت تشوبها عدة مشاكل تاريخية؟
أصف هذه العلاقات بالممتازة مع جميع الدول المجاورة وكذلك باقي الدول الافريقية وباقي دول العالم، وعلاقتنا مع غينيا، سيراليون، ساحل العاج، تسير بشكل ايجابي جدا ونحن نعقد لقاءات مستمرة لتعزيز التعاون الاقليمي مع رؤساء هذه الدول.
البدون وليبيريا
كما هو معروف هناك أعداد كبيرة لأشخاص من فئة «البدون» المقيمين في الكويت قد تم منحهم جوازات سفر ليبيرية ما قولكم حول هذا الموضوع وكيف تتعاملون معه؟
اريد ان احصل على معلومات اكثر حول هذا الموضوع، منذ سنوات فوجئنا بأن الحكومات السابقة في ليبيريا قد منحت وثائق لكثير من غير الليبيريين بمن في ذلك الفلسطينيون، وما نأمل فعله هو التأكد مما اذا كانت اي وثيقة رسمية منحت لهذه الفئة قانونية وتتوافق مع قوانيننا وسياستنا ونتمنى ان يلتزم حاملها بالقوانين الأساسية وألا يخرق القوانين. ولدينا ايضا مشكلة الجوازات الديبلوماسية المزورة، وقمنا بتغيير جوازاتنا لمنع حامليها من استغلالها، ونحن نأسف لما حصل لكن بلادنا كانت بحالة حرب، وحتى الليبيريون كان غالبيتهم مشردين.
بالنسبة للأقلية المسلمة في ليبيريا يقال انها لا تتمتع بأي دور فعال او قوة، وتواجه مشاكل من حين لآخر، ما تعليقكم؟
هذا غير صحيح واتحدى هذا الرأي، جميع المواطنين في ليبيريا يتمتعون بنفس الحقوق والحماية وكذلك بنفس المسؤوليات، كانت هناك بعض الضغوط والمشاكل بين الاثنيات، لكن قوانيننا وسياستنا واضحة جدا وكل مواطن يتمتع بالمساواة ولا يمكن لهذه المبادئ ان تخرق.
العلاقات مع دول «التعاون»
ماذا عن علاقات بلادكم مع دول الخليج الاخرى كالمملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة مثلا؟
لدينا اهتمام بتطوير العلاقات خاصة مع دول مجلس التعاون الخليجي ونحاول انشاء علاقات مع هذه الدول الآن نظرا لان ليبيريا عاشت حروبا اهلية على مدى سنوات متعددة، لقد اسسنا علاقات مع قطر والكويت الآن ونحن مسرورون بهذه الخطوة، ونعمل على تأسيس علاقات مماثلة مع المملكة العربية السعودية خاصة انها تدعم الحجاج القادمين من ليبيريا، ونأمل ان تأخذ العلاقات الديبلوماسية طريقها قريبا، اما البحرين فهناك زيارة مقبلة من رجال الاعمال تدرس امكانية اقامة استثمارات في ليبيريا رغم عدم وجود بعثة ديبلوماسية ونحاول القيام بالخطوة ذاتها مع الامارات العربية المتحدة.
الازمة المالية
نعلم ان فخامتكم وزيرة مالية سابقة وخبيرة اقتصادية وقد توليتم مناصب مهمة في البنك الدولي وغيره من المؤسسات الدولية كيف تنظرون الى الازمة المالية العالمية وما وصلت اليه؟
فوجئنا بالعام 2009 بحجم ما جرى وبالأزمة التي بدأت في الولايات المتحدة الاميركية وكان لها اثر كبير على المؤسسات المالية العالمية لكن نعتقد ان الاقتصاد العالمي قوي ولهذا فإن اعادة البناء والتوازن كانت اسرع من المتوقع ونعتقد انه يجب العمل على تطوير العلاقات بين الاسواق لتكون قادرة على تحقيق النمو، ومنظمة التجارة العالمية عليها ان تدعم هذا الامر، للحد من التأثيرات السلبية لظواهر أكثر خطورة ومنها موضوع التغير المناخي.
افتتاح سفارة ليبيريا اليوم
أعلن سفير ليبيريا المقيم في القاهرة والمحال إلى الكويت والاردن كوناه بلاكيت ان زيارة رئيسة بلاده إلى الكويت ستكون مناسبة لافتتاح سفارة ليبيريا في منطقة قرطبة.
واضاف بلاكيت ان هذا اليوم ننتظره منذ سنوات وزيارة الرئيسة إيلين جونسون سيرليف فرصة لتحقيق هذا الهدف ولتعزيز العلاقات الثنائية بين الكويت وليبيريا.
تاريخ ليبيريا.. ديموقراطية ودماء
تشتهر ليبيريا بأنها أول دولة نالت استقلالها في أفريقيا عام 1847 بعدما استقبلت الزنوج الأميركيين المحررين الذين هاجروا وساهموا في تأسيس الدولة.
أول انتخابات لرئاسة الجمهورية في البلاد أجريت عام 1943 وفاز فيها وليام توبمان الذي استمر في الحكم حتى 1971 حيث خلفه وليام تولبرت وكلاهما من الأقلية الأميركية ـ الليبيرية أي ذوي الأصول الأميركية.
في عهد تولبرت شهدت البلاد حوادث شغب خاصة عام 1979 قادها السكان الأصليون الذين خرج من بينهم العريف في الجيش صموئيل دو الذي قاد انقلابا أدى الى مصرع الرئيس وإعدام 13 وزيرا من حكومته والتمثيل بجثثهم على الشــاطئ بطــــــريقة بــــشعة.
في 1989 شنت الجبهة القومية الليبيرية بقيادة تشارلز تايلور (أيضا من الأميركيين ـ الليبيريين) حربا للإطاحة بنظام دو في حملة حولت البلاد الى حمّام دم وأدخلتها في نفق مظلم وحرب أهلية استمرت حتى 1997 حيث انتخب تايلور رئيسا واستمر في منصبه حتى 2003 تاريخ فراره الى نيجيريا تحت ضغط المتمردين ولاحقا تم تسليمه الى القضاء الدولي بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية ودعم المتمردين في الحرب الأهلية في سيراليون جارة ليبيريا، وفي 2005 أجريت أول انتخابات رئاسية بإشراف دولي تنافست خلالها الرئيسة سيرليف مع لاعب كرة القدم الشهير جورج وياه وفازت بدورة رئاسية لمدة 6 سنوات.
مراحل في مسيرة الرئيسة سيرليف: الفوز على جورج وياه و«إيلين رجلنا»!
فازت الرئيسة ايلين جونسون سيرليف بانتخابات الرئاسة في ليبيريا عام 2005 بعد منافسة مع لاعب كرة القدم جورج وياه بنسبة كاسحة. وهي من مواليد 1939 وتنحدر من أصول أميركية.
تزوجت في السابعة عشرة وأنجبت 4 أبناء وحصلت على درجة الماجستير في الإدارة العامة من جامعة هارفرد الأميركية وفي سن الـ 40 صارت وزيرة لمالية بلادها في عهد الرئيس وليام تولبرت.
عارضت نظام صموئيل دو بعد الانقلاب، كما عارضت وسجنت مرتين وواجهت خطر الإعدام لكنها فرت عام 1966 وشاركت في حكومة بلادها في المنفى وبين 1994 و1997 عملت مديرة اقليمية لبرنامج التنمية التابع للأمم المتحدة في افريقيا، ومع انتهاء الحرب الأهلية عام 1997 عادت الى بلادها وتزعمت حزب الاتحاد الليبيري، ونافست زعيم الحرب تايلور رغم ان أحدا لم يجرؤ على الترشح ضده وهزمها بنتيجة ساحقة.
وفي عام 1999 كلفتها منظمة الوحدة الافريقية بالمشاركة في لجنة التحقيق في مجازر رواندا.
وفي عام 2003 تولت رئاسة مفوضية اصلاح الحكم التي أسست ضمن اتفاق لإنهاء الحرب الأهلية.
خاضت الانتخابات ضد جورج وياه الذي اعترض مؤيدون على حصولها على نسبة كبيرة من الأصوات فعلقت يومها قائلة: «يشعرون بالخيبة لأن مرشحهم لم ينجح ولكن في التنافس السياسي كما في كرة القدم لا يمكن للجميع ان يفوز» وأشارت سيرليف الى ان انتصارها هو انتصار لكل امرأة افريقية لافتة الى انه «إذا أرادت المرأة التنافس مهنيا مع الرجال فعليها ان تكون أفضل منهم حتى تلقى قبولهم ويشعرون انها متساوية معهم». مضيفة: «عندما كنت أنال قبولهم في المعترك السياسي كان الأمر يتم بطريقة رجولية اذ كانوا يقولون عني اني اصبحت واحدا من الرجال»!
هذا وقد ارتدى مناصرو سيرليف خلال الانتخابات قمصانا كتبوا عليها «ايلين.. هي رجلنا».