Note: English translation is not 100% accurate
فريد زكريا... الكوكب الساقط في براثن السرقة الأدبية
16 أغسطس 2012
المصدر : الأنباء - ايلاف
منذ أن رُفع النقاب عن أن «تايم» و«سي إن إن» علقتا عمل الكاتب والصحافي الهندي - الأميركي فريد زكريا لسرقته مقاطع في إحدى مقالاته من بروفيسيرة في جامعة هارفارد، وردود الفعل تتوالى إزاء أحد أكبر الأحداث الصحافية الأميركية في السنوات الأخيرة.ربما تمثل الدليل الأكبر على الشأن العظيم الذي بلغه الأميركي - الهندي فريد زكريا في جائزتين نالهما من حكومة بلاده الأم: الأولى «شخصية العام الهندية العالمية» في 2008، ثم وسام «بادما بوشان» في 2012 تقديرا لمساهمته في عالم الصحافة الدولية.
وقد يقول قائل إن أهمية هاتين الجائزتين تعود، على الأقل، إلى أنهما تكسران مقولة «لا كرامة لنبي في وطنه»، ولن يختلف معه كثيرون. ولكن حتى إذا اعتبر آخرون أن هذا احتفاء هندي طبيعي لأنه يضفي بريقا على صورة البلاد نفسها، فقد نال زكريا (48 عاما) عددا آخر من الجوائز العالمية وأسبغت عليه بعض كبريات الجامعات الأميركية شهادة الدكتوراه الفخرية مثل «هارفارد» و«جون هوبكينز». وبالطبع فإن كل هذا يأتي تتويجا لمساهماته الفكرية الواردة في كتاباته وتحليلاته الثاقبة في الشؤون الدولية والسياسة الأميركية الخارجية حتى صار اسمه مألوفا في أي ركن يختاره المرء في الدنيا.
كوكب ساقط
بناء على كل ذلك، يصح للمرء أن يظن أن شخصا مثل فريد زكريا معصوم عن «السرقة الأدبية» وأنه ليس بحاجة اليها في المقام الأول. ولهذا كانت الصدمة عميقة عندما أوردت الأنباء الأسبوع الماضي أن مجلة «تايم»، التي اختطفته من «نيوزويك انترناشونال» بعد 10 سنوات في رئاسة تحريرها، و«سي إن إن»، التي يقدم على شاشتها برنامجا اسبوعيا باسمه، علقتا عمله بعد القبض عليه متلبسا بإحدى أسوأ الجرائم الفكرية والأخلاقية وهو السرقة الأدبية.وكما أوردت «إيلاف» في حينها، فقد قطع زكريا نفسه الشك باليقين فاعترف بذنبه في بيان أصدره فورا وجاء فيه أن الاتهام صحيح بأكمله. ويتعلق هذا الاتهام بمقالة كان يعتزم نشرها في عدد «تايم» المقبل ويتناول فيها مسألة توفر الأسلحة النارية الشخصية في الولايات المتحدة.
اعتراف
كان زكريا قد نقل مقاطع في مقالته من مقالة أخرى نشرتها البروفيسيرة في جامعة هارفارد، جيل ليبور، في عدد 23 أبريل / نيسان الماضي من مجلة «ذي نيويوركر» وتناولت فيها الموضوع نفسه. ولسوء حظ زكريا فقد التقط شخص ما بمجلة «تايم» أوجه التشابه والتطابق بين مقالة زكريا ومقالة البروفيسيرة ليبور. ولدى مواجهته بالأمر، أصدر الكاتب الهندي - الأميركي بيانه الذي جاء فيه:«تشير تقارير إعلامية الى أن فقرات من مقالتي للعدد المقبل من مجلة «تايم» مشابهة بشكل كامل لفقرات وردت في مقالة كتبتها جيل ليبور في عد 23 أبريل من مجلة «ذي نيويوركر». هذا زعم صحيح ولا يسعني حياله سوى الإقرار بأنه كان خطأ فادحا. هذا تجاوز خطير ومسؤولية الخطأ فيه تعود بشكل كامل الى شخصي. لهذا أتقدم باعتذار غير مشروط لجيل ليبور ولهيئة التحرير في «تايم» ولقرائي كافة».ومن جهتها قالت «سي إن إن » إن مدونة شخصية (بلوغ) يكتبها زكريا على موقعها الإلكتروني احتوت على مواد تستدعي التحقق من منابعها، وإلى ذلك الحين فهي تعلق عمله أيضا. وبعبارة أخرى، فإن نقله من البروفيسيرة ليبور ليس جرم السرقة الوحيد الذي يرتكبه هذا الكاتب وربما كان مجرد حلقة في سلسلة طويلة من أفكار لكتّاب آخرين استحوذ عليها ونسبها الى نفسه.
الثور والسكين
ثمة مقولة - مثل يُعبّر عنها في مختلف رقاع العالم العربي بمختلف الأشكال وتعني أن وقوع الثور يتبعه تكاثر السكاكين على عنقه. ولا شك في أن زكريا كان ثورا ذا صولات وجولات في دنيا الصحافة الدولية. لكنه سقط وإذا بالأنصال التي ما فتئت تُشحذ للناجحين في أي مجال كان، تنهال عليه يمنة ويسرة.
والواقع أن معظم الأقلام التي تناولت مآل زكريا تعرضت بشكل أو آخر الى نوع الالتزامات التي ألقاها على نفسه ما إن عثر على نوع الشهرة الذي يحلم به سائر الكتّاب والمحللين. وكانت الزاوية التي انطلق منها العديد ممن تناولوا النبأ (بأقدار متفاوتة من الأسف والشماتة) تصب في خانة أن الكاتب المطلوب ينال الشهرة والمال المتعاظمين. وهو يصبح بحاجة دائمة إلى المزيد من كل منهما لأن المال والشهرة لا يتعاظمان الا بالمزيد من كل منهما. والسبيل الوحيد الى هذا الوضع، الذي يتخذ من نفسه وقودا لنفسه، هو كثرة الالتزامات.
خياران
من بين الذين تناولوا مصيبة زكريا هذه كاتب العمود في مجلة «فورين بوليسي» دانيال دريزنر. فيقول إن الالتزامات العديدة التي غرق فيها زكريا (وتشمل إضافة الى «تايم» وسي إن إن» كتابته زاوية ثابتة في «واشنطن بوست» وكرسيه في مجلس أمناء جامعة ييل» على سبيل المثال وليس الحصر) ربما دفعته إلى ترك عدد من مسؤولياته في أيدي فريق من الباحثين والمعاونين هم الجنود المجهولون وراء العديد من إنجازاته.لكن دريزتنر يتساءل: «إن كان زكريا ليس هو السارق وإنما أحد معاونيه أو الباحثين العاملين سرّا له، فإن السؤال الذي يبقى معلقا هو: لماذا نشر باسمه شيئا لم تختطه يده شخصيا»؟ ويمضي هذا الكاتب الى القول إن نوع الالتزامات التي أحاط بها زكريا نفسه - وهي كثيرة على بشر واحد - وضعته أمام خيارين: إما الاستعانة بجهة أخرى تنجز له بعضها أو كلها، أو توليها بنفسه ولكن بالالتفاف على ضيق الوقت ومحدودية الطاقة للوصول الى إنجازها (أي بالسرقة)!
مفارقة
من جهته يقول جيم سليبر في «هافينغتون بوست» إن من المفارقة أن يكون زكريا عضوا في مجلس أمناء جامعة ييل. فهذه الجامعة - كغيرها من المنارات الأكاديمية الرئيسة - لا تنظر بعين الشفقة الى أي تجاوز يتعلق بالأمانة الأكاديمية. ولهذا فلا يظنن أي من طلابها أن بوسعه سرقة مجهود غيره ونسبه الى نفسه، لأن غطاءه سيُكشف وسيتنهي به أمره الى الشارع من دون الكثير من الأخذ والرد.ويمضي الكاتب قائلا إنه في حال طبّقت هذه الجامعة معاييرها الأخلاقية الصارمة على زكريا نفسه، صار مصيره مثل أي طالب يطلب النجاح على أكتاف الآخرين. ويضيف قائلا إن التباكي عليه ليس في محله أصلا وأنه ليس الوحيد الذي يحمل هذا الرأي. فيستشهد بأن مجلة «نيو ريبابليك» وصفت زكريا بأنه «ليس أهلا للهالة الفكرية المحيطة به» في المقام الأول.
حارس المؤسسة الارستقراطية
على صفحات «هافينغتون بوست» أيضا يتناول المؤرخ والمحلل السياسي إريك زويس الأمر من عدد من الزوايا التي تصب في أن زكريا لدغ نفسه بنفسه فصار ضحية الشبكة العنكبوتية التي ساعد هو نفسه في خلقها.ومن أبرز الزوايا التي يطل منها هذا الكاتب على الموضوع أن زكريا «ارستقراطي هندي» نشأ في كنف السلطة وفسادها الحتمي. وعندما يتعلق الأمر بنشأته، فقد ولد (في مومباي) لأب ذي مكانة مرموقة في «حزب المؤتمر الوطني»، ولأم كانت تترأس تحرير «صنداي تايمز اوف إنديا».
وفي هذا الجو تعلم زكريا أن السلطة لا تكتمل الا بـ«الخدم» (الباحثون والمعاونون في حالة الكاتب) الذين يؤدون المهمة الحقيقية بينما يعود الثناء والعرفان «للمخدِّم» الذي قد يلقي الى الخدم بفتات مائدته. ويخلص زويس الى أن الارستقراطية «شبكة كلنا ضحايا لها، وعنكبوتها يلتهمنا شيئا فشيئا. ولكن (لحسن حظ زكريا) فهو جزء من الشبكة وليس من الوجبة... ولذا فسينهض على قدميه مجددا في وقت قريب آت» ليواصل مهمته كحارس أمين لمؤسسة الارستقراطية!