Note: English translation is not 100% accurate
رسائل ومؤلفات شرعية
الحربي: الوقف على غير المسلمين يسهم في نشر الإسلام ويبرز سماحته ورحمته بالناس على اختلاف دياناتهم
18 أغسطس 2010
المصدر : الأنباء
من الضروري الاهتمام بالمؤسسات الوقفية التي تدعم المسلمين في دول الغرب لتذكرهم بدينهم وتحفظ كرامتهم
رغب الإسلام في فعل الخيرات، وعدد مسالكها، فمنها الواجب كالزكاة، ومنها التطوع كالصدقة، والهبة، والعارية، والوصية، ولما كانت هذه القربات أو غالبها مما ينتهي أثرها وزمنها، شرع الله تعالى ما يطول زمنه ويبقى أثره، ويستمر أجره، ألا وهو الوقف، وهو الصدقة الجارية التي يجري نفعها على الواقف والموقوف عليه، وقد امتثل الصحابة رضي الله عنهم حث نبيهم صلى الله عليه وسلم للوقف، فتعدى وقفهم المسلمين إلى غير المسلمين ممن كانوا يعيشون في رعاية الدولة الإسلامية، مما يبرز سماحة هذا الدين، وعظيم رسالته، فعاشوا في كنف المسلمين آمنين مطمئنين، ولم يعرف التاريخ أعدل ولا أرحم من الفاتحين المسلمين، هذا ما أوضحه رئيس قسم الفقه المقارن والسياسة الشرعية في كلية الشريعة بجامعة الكويت د.مبارك جزاء الحربي. «الأنباء» التقت الحربي ليحدثها حول بحثه القيم الذي كان بعنوان «الوقف على غير المسلمين حكمه وأثره في بلاد الغرب»، حيث أوصى في ختامه بضرورة الاهتمام بالمؤسسات الوقفية التي تدعم المسلمين في الغرب لتذكرهم بدينهم وتحفظ كرامتهم، وفيما يلي تفاصيل اللقاء:
ما هو الموضوع الذي تناوله بحثكم؟
يتناول هذا البحث بالدرس وقف المسلم على غير المسلم، حكمه وأثره في بلاد الغرب، من خلال عرض مقاصد الوقف في التشريع الإسلامي، وسماحة الإسلام مع غير المسلمين ورحمته بهم، ثم بيان أقسام غير المسلمين، ومن له عهد مع المسلمين، ومن ليس له عهد، وقد تناول البحث الوقف على أهل الذمة المعينين وغير المعينين، والقريبين والأجنبيين، ثم الوقف على المرتدين والحربيين المعينين وغير المعينين، ثم الوقف على المعاهدين المستأمنين، وأتبعه بالوقف على دور تعبد غير المسلمين من كنائس وبيع وغيرها، سواء أكان الوقف عليها أم على المارين بها.
أهمية الموضوع
ما أهمية هذا الموضوع؟
لقد رغب الإسلام في فعل الخيرات، وحث عليها، وعدد مسالكها، فمنها الواجب كالزكاة، ومنها التطوع كالصدقة، والهبة، والعارية، والوصية، ولما كانت هذه القربات أو غالبها مما ينتهي أثره وزمنه، فقد شرع الله سبحانه وتعالى ما يطول زمنه ويبقى أثره، ويستمر أجره، ألا وهو الوقف، وهو الصدقة الجارية التي يجري نفعها على الواقف والموقوف عليه، وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على الوقف، وأمر أصحابه بذلك، ولم يبق أحد منهم إلا وقد شارك في الوقف، فمنهم من حبس حديقة، ومنهم من وقف بئرا، ومنهم من وقف على المساكين دارا وهكذا.
وتعدى وقفهم ـ رضي الله عنهم ـ المسلمين إلى غير المسلمين ممن كانوا يعيشون في رعاية الدولة الإسلامية، مما يبرز سماحة هذا الدين، وعظيم رسالته، فعاشوا في كنف المسلمين آمنين مطمئنين، ولم يعرف التاريخ أعدل ولا أرحم من الفاتحين المسلمين، كما صرح بذلك كثير من غير المسلمين.
ويتجلى ذلك حين دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فقال لأهلها: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، وأوصى بالقبط خيرا فقال صلى الله عليه وسلم: «إذا فتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا»، وقد عمل بذلك الخلفاء الراشدون، فهذا عمر بن الخطاب يقول لذلك الشيخ الذمي حينما رآه يطرق الأبواب ويسأل الناس: «ما أنصفناك إن كنا أخذنا المال في شبيبتك، ثم ضيعناك في كبرك»، ثم أجرى عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه، ونحن اليوم في أمس الحاجة إلى إبراز هذه الاشراقات المضيئة في صفحات الإسلام العظيم الذي تكال إليه التهم جزافا في عصرنا الحاضر، ويوسم بالعنصرية والمعاداة والغلظة، وغير ذلك.
ما خطة البحث التي سرت عليها في عملك وإعدادك؟
هذه الإسهامة المتواضعة حاولت جاهدا إبراز هذا الموضوع المهم، الوقف على غير المسلمين من خلال دراسة جوانبه المتعددة، وتقسيماته المتفرقة دون إطالة أو إملال، وقد سلكت في كتابته المنهج الاستقرائي التحليلي، والبحث يشتمل على مقدمة، ومطلب تمهيدي في الوقف ومقاصده وسماحة الإسلام مع غير المسلمين، وخمسة مباحث، فأما المبحث الأول فهو الوقف على أهل الذمة، والمبحث الثاني الوقف على المرتدين والحربيين، والمبحث الثالث الوقف على المعاهدين والمستأمنين، واما الرابع فعن الوقف على دور التعبد، والخامس تناول الآثار المترتبة على الوقف في بلاد الغرب، ثم الخاتمة، وفيها أهم النتائج التي تم التوصل إليها من خلال هذا البحث وبيان التوصيات.
إذن ما الوقف، وما مدى مشروعيته؟
الوقف لغة الحبس والمنع، ومنه وقفت الدار وقفا، إذا حبستها، ويطلق الوقف على الحبس، وأما اصطلاحا فقد عرفه الفقهاء بعدة تعريفات تبعا لاختلافهم في أحكامه، لكن لعل تعريف الحنابلة أقرب التعريفات للصواب وهو «تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة»، لأنه مأخوذ من حديث عمر بن الخطاب: «إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها»، واتفق جماهير أهل العلم على مشروعية الوقف، وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع، وعمل الصحابة.
مقاصد الوقف
ما مقاصد الشريعة الإسلامية من تشريع الوقف؟
يعتبر الوقف من أعمال القرب الصالحة، بل هو من أحسن القربات، لعموم نفعه وتعديه للغير، كما أخبر صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، والمراد بالصدقة الجارية ما جرى نفعه واتصل بعد الموت، فأجره مستمر للواقف، ونفعه مستمر للموقوف عليه.
ومن أبرز مقاصد الوقف دوام الأجر وبقاء النفع، ودوران المال في أيدي الناس غنيهم وفقيرهم، وتحقيق التكافل الاجتماعي، حيث يوجد عنصر التوازن بين الأغنياء والفقراء، ويخفف معاناة المحتاجين من خلال الوقف على الذرية، ووقف الرباطات والمساكن على الفقراء، ووقف المستشفيات ومراكز التعليم، ووقف دور الأيتام وغيرها.
أثره على غير المسلمين
بما أنكم قررتم في البحث جواز الوقف على غير المسلمين بتفصيل ذكرتموه، فهل هناك آثار مرجوة من مثل هذا الوقف؟
إن للوقف على غير المسلمين آثارا عميقة في نفوسهم، لاسيما أهل الحاجة والعوز منهم، ومن أبرز الآثار المترتبة على هذا الوقف بيان سماحة هذا الدين ورحمته بالناس على اختلاف دياناتهم، والإسهام في نشر الإسلام، وإظهار عدم التحيز في توزيع المنافع والموارد، وبيان عدم تعصب المسلمين لطائفة أو ملة دون أخرى، وكف الأذى عن المسلمين، فمعلوم أن الإحسان إلى الناس يذهب شرر نفوسهم، ويكتم غيظهم، ويمنع من أذيتهم.
ما أبرز النتائج التي خلصتم إليها في نهاية البحث؟
إن للوقف دوافع متفرقة من، أبرزها الدافع الديني، فالواقف يرجو دوام ثواب ونفع وقفه، وتطهير نفسه من نوازع الأثرة والأنانية، وثمة أمر مهم للغاية وهو اعتقاد أن الوقف له وظائف لا يجوز إغفالها، ومن أبرزها الدافع الديني الدعوي لغير المسلمين، سواء أكانوا داخل حدود الدولة الإسلامية أم كانوا خارجها، ولهذا ذهب جماهير الفقهاء إلى جواز الوقف على غير المسلمين من الذميين المعينين وغير المعينين، والقريبين والأجنبيين، ويقاس عليهم المعاهدون والمستأمنون متى ما حلوا بديارنا، فالبر والإحسان في الإسلام يتعدى الإنسان إلى غيره من المخلوقات كالحيوانات، أما الحربي والمرتد فلا يصح الوقف عليهما لأنهما لا يعانان بمال ولا غيره في مشاقة الله ورسوله.
الاهتمام والتنسيق
ما أبرز التوصيات التي تود من المسؤولين الأخذ بها؟
أوصي بضرورة الاهتمام بالمؤسسات الوقفية التي تدعم المسلمين في بلاد الغرب، وغيرها من البلاد التي تنتشر فيها الجاليات الإسلامية، فهذه الأوقاف لها أبعاد إيجابية متعددة حيث توجد بيئة إسلامية خارج حدود البلاد الإسلامية، فتعلم المسلمين وتذكرهم بأمور دينهم، وتحفظ لهم كرامتهم بالأوقاف المختلفة الدينية، والتعليمية، والعلاجية، كما تسهم في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، وكذلك أوصي بأهمية التنسيق بين الأوقاف الإسلامية في الخارج، فالرسالة واحدة، والهم واحد، وإغفال هذا الجانب يورث تخبطا في العمل، وتكرارا للأخطاء.