Note: English translation is not 100% accurate
رسائل ومؤلفات شرعية
العتيبي: من الخطأ الظن أن الوسطية تعني القيام ببعض الواجبات وترك الأخرى أو الامتناع عن بعض المحرمات والوقوع في الباقي
27 أغسطس 2010
المصدر : الأنباء
أوضح أن الدنيا والهوى والنفس والشيطان من الصوارف التي تحول بين العبد والقيام بما أمره الله به
الإسلام وسط بين الروحانية والمادية وبين الرهبانية والانقطاع للعبادة والجري وراء الدنيا الفانية بمتاعهاأكد الأستاذ بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية قسم الفقه وأصوله انتدابا بجامعة الكويت، والإمام والخطيب بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية د.خالد شجاع العتيبي، أن التوسط هو أساس التشريع في الإسلام، وأن الإسلام وسط بين الروحانية والمادية، وبين الرهبانية والانقطاع للعبادة والتحنث والجري وراء الدنيا الفانية بمتاعها وزخرفها، لافتا إلى أن الإسلام جمع بين مصالح الدنيا والآخرة، وهو وسط بين الغلو والجفاء، وبين الإفراط والتفريط. وأوضح العتيبي أنه ينبغي أن تكون الفتاوى في المسائل النازلة وما يستجد من الحوادث على منهج الوسطية ووفق الضوابط والأحكام التي ذكرها العلماء وبينوها، مشيرا إلى أن كثيرا من الناس يظن خطأ أن الوسطية تعني القيام ببعض الواجبات وترك الباقي أو الامتناع عن بعض المحرمات والوقوع في الباقي. «الأنباء» التقت العتيبي لتحاوره عن بحثه القيم الذي كان بعنوان «الوسطية أساس التشريع الإسلامي» الذي برهن فيه أن دين الإسلام يسر وقائم على التيسير، وأن الوسطية الحق هي أخذ الدين كاملا، فما كان في جانب الطاعة فالأمر فيه على قدر الاستطاعة، وما كان في جانب النهى فالواجب الانتهاء، وفيما يلي تفاصيل الحوار:
حدثنا في البداية عن موضوع بحثكم وأهميته؟
البحث قدمته كمشاركة في المؤتمر الثالث عشر الذي كان بعنوان «التجديد في الفكر الإسلامي» في مايو 2001، الذي أقامه المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بجمهورية مصر العربية، حول مفهوم الوسطية في الإسلام، وكان عنوان البحث «الوسطية أساس التشريع الإسلامي»، فإننا نعلم أن الله سبحانه وتعالى قد جعل الخيرية في هذه الأمة، ووصفها بالوسطية، فقال عز وجل (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)، قال سبحانه وتعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) أي عدولا خيارا، وقد حازت الأمة الإسلامية الخيرية لقيامها بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكانت لها السيادة لتحقيقها الوسطية، وأهمية هذا الموضوع تكمن في أنه يبرز محاسن الإسلام، وأنه دين يجمع بين مصالح الدنيا والآخرة، فهو وسط بين الرهبانية المبتدعة والتعلق بالدنيا والأطماع الجشعة، دين وسط بين الغلو والجفاء، وبين الإفراط والتفريط، فالتطرف في هذا الدين مذموم، سواء كان غلوا أو جفاء، إفراطا أو تفريطا فكلا طرفي القصد ذميم وقبل الشروع في المقصود ينبغي معرفة معنى الوسطية، فهي مأخوذة في اللغة من الوسط والتوسط في الأمور، أما في الشرع فيدور معناها حول العدالة والخيرية والتوسط بين الزيادة المذمومة والنقص المذموم.
تحقيق التصور والسلوك
أتى في بحثكم فصل «تحقيق التصور والسلوك» فماذا تقصدون به؟
كانت الوسطية من خصائص الإسلام كان ذلك دعوة إلى تحقيق التصور والسلوك، والمقصود بتحقيق التصور هو الفهم الكلى الصحيح للشيء على حقيقته، والمقصود بتحقيق السلوك هو التطبيق العملي، من خلال ترجمة ذلك العلم والفهم إلى واقع عملي وقانون سلوكي، ورد في السنة أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم حال امرأة وصفتها بأنها تصوم النهار وتقوم الليل، ولكنها تؤذي جيرانها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «لا خير فيها، هي في النار»، هذا الخبر يدعونا إلى التأمل ويستوقفنا للعبرة، فصيام النهار وقيام الليل لم ينفع صاحبه بوجود أذية الجيران، فالعلة إذن في كون هذه العبادة لم تؤثر في سلوك صاحبها، فتشريع العبادات القصد منه تهذيب النفوس وتقويم السلوك. ويدل على صدق ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، فالقصد من العبادة أن يجني العبد منها الثمرة التي تظهر في إيراث التقوى في القلوب وتزكية النفوس، لا أنها مجرد أعمال وتكاليف وطقوس يؤديها العبد المكلف.
المفهوم الخاطئ لمعنى الوسطية
البعض يظن أن الوسطية هي الإتيان ببعض الواجبات والأركان وترك بعضها، والامتناع عن بعض المحرمات ومقارفة بعضها فما تعليقك؟
يظن كثير من الناس خطأ وجهلا أن الوسطية هي الإتيان ببعض الواجبات والأركان وترك بعضها، وبالامتناع عن بعض المحرمات ومقارفة بعضها، حتى صار بعض الناس يردد «ساعة لربك وساعة لقلبك»، ويستدلون بحديث النبي صلى الله عليه وسلم «ولكن ساعة وساعة»، ولا شك أن المقصود من الحديث هو ساعة يجتهد فيها العبد في الطاعة والعمل، وساعة يروح فيها عن نفسه بالمباح لا الحرام، ليكتسب النشاط في حال العودة إلى الطاعة.
وهنا ينبغي بيان أن الوسطية التي تميز الإسلام تجعله متيسرا للعمل به، فباستطاعة العبد أن يقوم بامتثال المأمور به واجتناب المحظور، بدليل قول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)، وقوله سبحانه وتعالى كما في دعاء المؤمنين (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به)، قال سبحانه وتعالى: قد فعلت، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بعثت بالحنيفية السمحة»، وقال عليه الصلاة والسلام «إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه»، فإذا كان الدين بهذه المنزلة من اليسر والسهولة التي يمكن معها القيام به، فلماذا نرى كثيرا من الناس غير ممتثلين لأوامر الشرع؟
الصوارف عن طاعة الله
حقا لماذا نرى أكثر الناس غير ممتثلين لأوامر الشرع رغم يسرها وسهولتها؟
لا شك أن الصارف لهم عن الامتثال هو الدنيا والهوى والنفس والشيطان، فهذه العقبات تحول بين العبد والقيام بما أمر به.
لكن هل يمكن تجاوز هذه الصوارف وكيف يكون ذلك؟
الشريعة بينت كيف يتجاوز العبد ذلك، فمما يعينه على تجاوز تلك العقبات تحقيق توحيد الله سبحانه وتعالى، بتقوية العبد معرفته بربه، وخاصة بمعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العلا، مما يقوي جانب المراقبة لدى العبد، فيضبط تصرفاته وسلوكه، ولكن في حال ضعف هذا الجانب عند العبد فإنه ينتقل إلى الأمر الثاني الذي يعينه على الامتثال، وهو بتهذيب النفس وتزكيتها، بطلب هذه الشهوات وما تحثه عليه الغرائز المركبة فيه عن طريق الحلال والامتناع عنها إذا كانت عن طريق الحرام، فمن أمثلة هذه الشهوات المال، فإنه محبوب لدى الإنسان، وقد قرر الله سبحانه وتعالى في كتابه هذه الحقيقة فقال تعالى (وتحبون المال حبا جما)، وحب الإنسان للمال مشاهد محسوس، ولكن هل يعني ذلك أن يطلق المرء لهذه الشهوة العنان، فيطلبها بالحلال والحرام، وبكل وسيلة مشروعة كانت أو ممنوعة؟ لا شك أن الجواب: هو أن يطلب هذه الشهوة بالحلال دون الحرام، وبالمشروع دون الممنوع، وهذا هو التوسط المطلوب من العبد وهو المنهج الحق، فيمتنع عنها بالحرام مثل السرقة والربا وغصب المال، وأكل أموال اليتامى ظلما، وغيرها، ويطلبها بالحلال من البيع والشراء، وإقامة الشركات، والقرض الحسن.
وثالثا «العقوبات والحدود في الإسلام»، التي جعلها الشارع رادعا وزاجرا لمن لم يردعه إيمانه، ولم يهذب شهوته بطلبها بالحلال والامتناع عنها بالحرام، وبهذا تظهر وسطية الإسلام بإثابة المحسن الصالح، ومعاقبة المسيء المتمرد والخارج على أوامر الله وشرعه.
الخلاصة
هل من كلمة أخيرة تود قولها في ختام اللقاء؟
في الختام أنبه إلى أنه ينبغي التأكيد على أن التوسط هو أساس التشريع في الإسلام، فالإسلام وسط بين الروحانية والمادية، وبين الرهبانية والانقطاع للعبادة والتحنث والجري وراء الدنيا الفانية بمتاعها وزخرفها، فقد جمع الإسلام بين مصالح الدنيا والآخرة، وهو وسط بين الغلو والجفاء، وبين الإفراط والتفريط، فكما أن الغلو مذموم فإن الجفاء أيضا مذموم، ويجب على المرء الانتفاع بنصح الآخرين في التنبيه على الغلو أو الانحلال والترخص الذي يذهب معه الدين ويضمحل. وينبغي أن تكون الفتاوى في المسائل النازلة وما يستجد من الحوادث على منهج الوسطية ووفق الضوابط والأحكام التي ذكرها العلماء وبينوها والقصد من هذا البحث التأكيد على أن التشريع الإسلامي قائم على الوسطية، وأخيرا يمكن للقارئ الإطلاع على البحث كاملا بزيارة الرابط التالي:
«http://www.elazhar.com/conf_au/13/13.asp»