Note: English translation is not 100% accurate
رمضان في عيونهم
الحكمة من العيد في الإسلام
30 أغسطس 2011
المصدر : الأنباء
بقلم: د.عبدالرحمن الجيران
ارتبطت الأعياد في الإسلام بمواقف مشهورة وعبادات جليلة، فهناك عيدان سنويان هما: عيد الفطر ويرتبط بشهر رمضان المبارك، وعيد الأضحى ويرتبط بمناسك الحج المقدسة، وهناك يوم أسبوعي يشبه العيد يلتقي فيه المسلمون على صلاة جامعة وتوجيه راشد هو يوم الجمعة، وأخرج أبو داود والنسائي بإسناد صحيح عن أنس قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: «قد أبدلكم الله بهما خيرا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر».
تحكي عائشة رضي الله عنها كما في صحيح مسلم، قالت: جاء حبش يزفنون في يوم عيد في المسجد، فدعاني النبي صلى الله عليه وسلم فوضعت رأسي على منكبه، فجعلت أنظر إلى لعبهم حتى كنت أنا التي انصرفت عن النظر إليهم.
أي أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم دعا زوجه السيدة عائشة لمشاهدة لعب الحبش بحرابهم في المسجد على قريب من هيئة الرقص، فمعنى «يزفنون» يرقصون، وكانت عائشة حريصة على هذه المشاهدة حتى قالت في رواية أخرى: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون وأنا جارية، فاقدروا قدر الجارية العربة الحديثة السن.
إظهار شعائر الله على أرضه
كان من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذهب لصلاة العيد من طريق ويرجع من آخر، حتى تتردد بين جنبات الكون تكبيرات المسلمين، والأفضل أن يتناول المسلم شيئا قبل خروجه لعيد الفطر ليقطع أثر الصوم، وفي الحديث المتفق عليه: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، والأمر يختلف في عيد الأضحى، فلا يأكل شيئا قبل الصلاة حتى يعود منها ويأكل من أضحيته التي يذبحها بعد عودته، احتفالا بهذا اليوم المشهود وتوسعة على المسلمين.
ومن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشارك المسلمون جميعا في حضور صلاة العيد حتى لو لم يؤد البعض الصلاة لعذر شرعي، وتحدثنا أم عطية كما في الصحيح قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج في الفطر والأضحى العواتق والحيض وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين.
والعواتق: جمع عاتق وهي الفتاة التي لم تتزوج، وذوات الخدور: هن السيدات المتزوجات.
ويصف لنا جابر بن عبدالله رضي الله عنه صلاة العيد مع الرسول الكريم فيقول كما في صحيح مسلم: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير آذان ولا إقامة ثم قام متوكئا على بلال، فأمر بتقوى الله وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن، فقال: تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم، فقامت امرأة من واسطة النساء سفعاء الخدين (واسطة النساء: أي من خيارهن أو جالسة في وسطهن، وسفعاء أي فيها تغير وسواد) فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير، فجعلن يتصدقن من حليهن، يلقين في ثوب بلال من أقرطتهن وخواتمهن.
تقيد الغناء بأيام العيد وللجواري فقط وتحريم مجاوزة الحد
في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر رضي الله عنه فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دعهما، ولما غفل غمزتهما فخرجتا.
قيل يوم بعاث، وهو اسم حصن للأوس وقعت الحرب عنده بينهم وبين الخزرج، واستمرت المعركة مائة وعشرين سنة حتى جاء الإسلام فألف الله بينهم ببركة النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي بعض الروايات للحديث أنه كان مع الجاريتين دف كما في مسلم أو دفان كما في النسائي.
فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لم ينكره على عائشة، بل اضطجع وحول وجهه، لأن مقامه يجل عن الإصغاء لذلك، وبعد فترة دخل الصديق فانتهر ابنته لتقريرها الغناء في حضرة الرسول الكريم، وظن أنه صلى الله عليه وسلم نائم فقال: أمزمارة الشيطان عند رسول الله؟
والمزمارة والمزمار مشتق من الزمير وهو الصوت الذي له صفير، ويطلق على الصوت الحسن وعلى الغناء، وأضافها للشيطان، لأنها تلهي القلب عن ذكر الله تعالى.
هنا أقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: دعهما، أي الجاريتين، وفي رواية، «دعها» أي عائشة، ثم بين له الحكمة فقال: يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا، أي أنه يوم سرور شرعي فلا ينكر فيه مثل هذا القدر من اللهو المباح.
ان الغناء بمعنى الصوت الحسن لرجل أو امرأة من المباحات في الأصل، ومن اللهو البريء، وبحيث يظل في حدود القدر المعقول، لكن الحرمة تكمن في المعزف المصاحبة وفحش القول أو إثارة الغرائز أو إظهار المفاتن أو مصاحبة خمر ومجون، أو إسراف بحيث يتخذه ديدنه ويقصر عليه أكثر أوقاته.
ويسوق الإمام الغزالي في إحيائه تشبيها على إباحة القليل من الغناء دون الكثير، فيقول: «واستحسان ذلك فيما بين تضاعيف الجد كاستحسان الخال على الخد (الخال: هو النقطة السوداء على صفحة الخد)، ولو استوعبت الخيلان الوجه لشوهته، فما أقبح ذلك، فيعود الحسن قبحا بسبب الكثرة، فما كل حسن يحسن كثيره، ولا كل مباح يباح كثيره».
الحكمة من الأعياد في الإسلام
أولا: الموازنة في حياة المسلم
يتجلى العيد في الفرح والسرور بتوفيق الله تعالى المسلم لطاعة الله عز وجل، والعيد أيضا محطة للراحة المشروعة، والاستمتاع بما أحله الله تعالى من المطاعم والمشارب ومن اللهو المباح دون إسراف ولا مخيلة، ثم يواصل المسلم مسيرته في الحياة على نهج شريعة الله الغراء، وهذا هو المنهج الوسط الذي يعتني بمطالب الروح ومطالب الجسد، ويوفق بين الدين والدنيا، كما قال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا).
ثانيا: لا عودة إلى ما قبل رمضان من الغفلة
إن المؤمن الصادق هو من يكون عمله بالطاعات واجتنابه للمعاصي والسيئات عادة له ومنهاجا إلى أن يتوفاه الله قال تعالى (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) ومعنى اليقين: الموت، أي اعبد ربك إلى أن تموت، فلا تزيده مواسم الخير إلا اجتهادا في العبادة، وحرصا على الطاعة، فإذا انقضت تلك المواسم بقيت آثارها في حياته صورا حية، وأعمالا صالحة مشاهدة ومحسوسة. والمؤمن الحي هو الذي تتغير حياته بعد رمضان إلى الأحسن وهذا علامة على قبوله قال تعالى: (إنما يتقبل الله من المتقين)، أما من كان حاله بعد رمضان كحاله قبله، يهجر الطاعات، ويقتحم السيئات، ويضيع الصلوات، ويتبع الشهوات، فهذا لا يزداد من الله إلا بعدا.
ثالثا: معنى العيد
العيد مأخوذ من العود لأنه يعود مرة بعد مرة، وقد جعله الله سبحانه وتعالى يوم فرح وسرور واستبشار فقال تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون)، فالفرح بالعيد لإظهار نعمة الله علينا بالتيسير في الشرع وعدم التعسير، وكذلك إكمال الصيام وشكر نعمة الله على هذه الهداية الخاصة.
رابعا: الفرق بين عيدي الإسلام وأعياد الكفار
شرع الله أعياد المسلمين لكيلا يبدأوها باللهو واللعب، ولم يبدأوها بالغناء والطرب، ولم يبدأوها بالأشر والبطر، بل ابتدءوها بالصلاة، وهذا دليل على أنها أيام شكر، ولأجل ذلك فالمسلمون في كل مكان إذا أصبحوا في عيدهم ـ عيد فطر أو عيد أضحى ـ خرجوا خارج البلاد في طرقها، واجتمعوا رافعين أصواتهم بالتكبير، وصلوا لله لا لغيره صلاة متميزة بالتكبير، لأن فيها تكبيرا لا يكبر في غيرها وهذا بخلاف أعياد الكفار وأعياد الملاحدة وأعياد الجهلة ونحوهم، فإنها أعياد أشر وبطر، أعياد لهو ولعب، أو على مآكل محرمة، أو ما أشبه ذلك، وقليل ذكر الله عندهم، وقليل شكره، وقليل الاعتراف بفضله، فأين هذا من هذا؟