تستيقظ السيدة السورية صفاء صبح (42) عاما قبل بزوغ الشمس وتركب سيارتها الكبيرة متوجهة إلى مزرعتها التي عملت بها مع زوجها قبل أن يتوفى طيلة 23 عاما بكل جد ونشاط لتبدأ يومها الشاق والصعب والممزوج بالرضا والفرح لما تقوم به هذه الشابة .
وتحرص هذه الشابة التي تكنى بـ"أم غيث" على الجدية والاتقان في العمل الذي يتطلب منها الدقة والحذر والانتباه كونها تعمل بأعمال يمتهنها الرجال ويصعب على النساء القيام بها ،وبنفس الوقت تمتلك بداخلها إرادة وعزيمة تجعلها تتحدى كل الصعاب بكل رحابة صدر .
ولعل موت زوجها " أبو غيث" المفاجئ ، قبل عام من الأن شكل لها نقطة تحول لتجد نفسها أمام مهام صعبة جدا تفوق قدرتها كامرأة ، وبالتالي كان لازما عليها أن تثبت نفسها ونجاحها أمام ذاتها أولا ، وأمام المجتمع الذي ينظر إلى المرأة على إنها كائن غير قادر على القيام بتلك الأعمال التي تخص الرجال لكونها تتطلب مجهودا عضليا كبيرا .
وقالت السيدة صفاء التي تحب أن تطلق على نفسها اسم المزارعة ، لوكالة أنباء ((شينخوا)) منذ أن تزوجت قبل 23 عاما كانت مهنة زوجي الزراعة وأنا كنت أعمل معه طيلة كل تلك السنوات " ، مؤكدة أن زوجها كان العنصر الرئيسي في أي عمل يقوم به .
وتابعت المزارعة أم غيث ، وهي ترتدي اللون الأسود دلالة على الحداد على فقدان زوجها " مرت السنوات ، ونحن نعمل مع بعض ، إلى أن توفي زوجي بحادث سير فاضطررت لأكمل المسيرة بعده ، وأثبت لنفسي أولا أنني قادرة على العمل وللمجتمع أنني لن استسلم للظروف وأكمل ما بدأه زوجي وكان علي أن أنجح ".
وبينت أم غيث ، ابنة مدينة صلخد بريف السويداء الجنوبي (جنوب سوريا) ، التي كانت تحرث أرضها بألة تسمى "العزاقة " ، والتي تستخدم لحرث الأرض ، أن الوضع كان صعبا عليها بالبداية وعليها مسؤوليات جسام .
وقالت "أكيد الوضع الآن أصعب ، لأن المسؤولية وقعت على كاهلي كاملة لوحدي ، بينما في السابق ، أي قبل أن يتوفى زوجي كان الوضع مختلفا وأسهل ، إذا كان العمل موزعا بيننا ، أما الآن كل الحّمل ترك علي وحدي ، والحّمل عندما يتقاسمه اثنان يهون " .
وأضافت إن " المحيط الاجتماعي ساعدني وقدم لي دعما ، لكن الدعم الأساسي يجب أن ينبع من داخل الإنسان نفسه ، وعليه أن يحفز نفسه بنفسه كي يصل إلى النجاح ضمن التحديات التي واجهتني بعد وفاة زوجي ".
وروت أم غيث تفاصيل يومها الذي يبدأ من المزرعة ، التي تبعد عن بيتها ، حوالي 4 كلم تقريبا غرب مدينة صلخد، بحلب الإبقار ومن ثم إطعامهم والعناية بهم ، وبعدها تركب دراجتها النارية أوالفان الكبير لتتوجه بعده لتوزيع الحليب على الزبائن في أرجاء المدينة، لتعود بعدها إلى المنزل وترعى شؤون بيتها ، مؤكدة وجود جولة ثانية في المساء وبنفس الطريقة أيضا .
وقالت أم غيث إن "غالبية النساء في مدينة صلخد يعملن ، ولكن أنا اختلف عنهم بقدرتي على قيادة السيارة والدراجة النارية حيث أوصل الحليب للزبائن يوميا إضافة لحرث الأرض من خلال الجرار الزراعي والعزاقة " ، موضحة أن الظروف والتحديات التي فرضت عليها جعلتها قادرة على العمل .
وأضافت " أطمح أن أصل الى ما كان زوجي يتمنى ، وهو توسيع المشروع ليصبح نواة لمزرعة كبيرة فيها مختلف صنوف الثروة الحيوانية ، وبجوارها أرض تزرع محاصيل حقلية قمح وشعير وأن أتمكن من تعليم أولادي كي يتخرجوا من الجامعات هذا ما أطمح له " .
وبالرغم من كل الصعوبات التي تواجهها والتحديات التي تعترض مسيرة حياتها إلا أنها مازالت امرأة مفعمة بالنشاط والحيوية ، وتسعى جاهدة لتغيير الصورة النمطية للمرأة .
وقالت صفاء " أدعو كل امرأة قادرة على العمل أن تعمل ، وأن تكسر الصورة النمطية للمرأة العادية التي لا يتعدى عملها سوى داخل منزلها ، وتربية الأولاد ، يجب ان نعطي صورة مشرقة للمرأة التي تتحدى الصعاب وأن نكسر مقولة المرأة كأن غير قادرة على القيام بأعمال صعبة وشاقة " .
وتابعت تقول " الدعم الأساسي لازم يكون من داخل الانسان واذا لم يكن هناك دافع او حافز داخلي لا يستطيع الانسان ان يصل الى هدفه ، حتى لو تلقيت دعم من قبل المحيط الاجتماعي والحياة يجب ان تستمر واذا لم تكن إرادة الانسان قوية وحازمة من الصعب على الانسان ان يصل خاصة في ظل هذه الظروف التي نعيشها حاليا " .
واجمع جيران الشابة أم غيث على أنها امرأة بعشرة رجال ، وما تقوم به يعجز الشبان القيام به في الوقت الحالي .