يواصل العالم كفاحه ضد ڤیروس «كورونا» المستجد الذي أحدث تغییرات عميقة ومتباينة على مستويات مختلفة، في السياسة، والاقتصاد، والعلاقات الاجتماعية، وصولا إلى الثقافة والتكنولوجيا.
ونظرا للانتشار العالمي لـ«كوفيد-19» وما شكله من كابوس لكل الدول التي ليست لديها اي قدرة - حتى الان- على معرفة متى سينتهي هذا الوباء وكيف، فقد ظهر اعتقاد بأن عالم ما بعد «كورونا» لن يكون كما كان قبله، سواء على صعيد النظام الدولي، أو الاقتصاد العالمي، أو مستقبل العولمة بكل تجلياتها وأبعادها.
إعادة رسم خریطة العالم الجیوسیاسیة
يرى جانب ليس بالقليل من المحللين حول العالم أن ھذا الوباء سیعید رسم خریطة العالم الجیوسیاسیة وسیدفع الى قیام تكتلات وتحالفات دولیة ربما تكون في بعضھا على نقیض كبیر مع تلك القائمة حالیا والموروثة من نتائج الحرب العالمیة الثانیة والحرب الباردة.
ويعتقد هؤلاء أن ھناك نظاما دوليا جدیدا سینشأ نتیجة الانھیارات والمتغیرات الدراماتیكیة التي تشھدھا الدول الكبرى والتكتلات الدولیة المتعددة، وقد بدأت معالم هذا النظام بالظھور ومنها:
- تعزيز النزعة القائمة نحو الأحادیة بدلا من تعددیة الأطراف في النظام الدولي، وعلى وجه التحدید النزعة القومیة لدى الحكومات، وسعي الأخیرة لتعزیز صلاحیاتھا وقدراتھا لمواجھة أي أخطار مشابھة في المستقبل، وذلك من أجل حمایة مواطنیھا.
- إضعاف قدرات الأمم المتحدة للاضطلاع بدورھا في صیانة السلم والأمن الدولیین، خاصة في مجالات الوساطة، وحفظ وبناء السلام: وذلك في ضوء خلافات داخل مجلس الأمن الدولي كانت سائدة ولاتزال، وندرة الموارد المتاحة.
- تزايد مؤشرات استمرار صراعات القوى العظمى، لا سیما التنافس بین الولایات المتحدة والصین، ومن المرجح أن یسیر التعاون والصراع المفتوح بین هذه القوى العظمى جنبا إلى جنب.
- سقوط ھیبة الولایات المتحدة وتزعزع تماسك الاتحاد الأوروبي: حيث ھناك مؤشرات الى احتمال تمرد ولایات وانشقاقھا عن الاتحاد الفیدرالي الأمیركي. كما انه من المتوقع أن تكون إیطالیا أول المنفكین عن الاتحاد الاوروبي لتتبعھا دول أوروبیة أخرى وجدت نفسھا وحیدة في ھذه الكارثة التي حلت بھا وقد جاءتھا المساعدات من خارج الاتحاد، مثل: الصین وروسیا.
- على الصعيد الاقتصادي العالمي، تتزايد الاحتمالات لضعف قوى العولمة: اذ ستكون الدول أكثر حرصا على تحصین نفسھا ومواطنیھا ضد المتغیرات المستقبلیة في المجالات كافة. أي من المستبعد أن یعود العالم لتبني فكرة الاستفادة المتبادلة من ثمار العولمة، مما سوف يسهل معه العودة إلى التدابیر الاقتصادیة العالمیة التي جرى اتباعھا في القرن العشرین. إذ ان انتشار الوباء سیقوض دعائم النظام الاقتصادي العالمي، حيث ستتم إعادة تعریف الإنتاج والاستھلاك في جمیع أنحاء العالم، وستنھار شركات عدیدة، وستتعرض دول كثیرة لھزات اقتصادیة واجتماعیة عمیقة. ما يعني دخول الاقتصاد العالمي في حالة من الركود الشدید، یتوقع أن تكون آثاره ممتدة لسنوات وعقود.
وفي ضوء ذلك، من المرجح ان یسرع الوباء من التحول الاقتصادي الحاصل في العالم، بعیدا عن مركزیة النظام الأمیركي في النظام الدولي لصالح الصین.
تعزيز النظام الدولي القائم وعولمة معدلة
في المقابل، يرى فريق آخر من المراقبين أن «كورونا» الذي وضع العالم بأسره على صفیح ساخن، من شأنه أن یسھم في تعدیل النظرة للنظام العالمي، لا لجھة نسفه بل لجھة تعزیزه وتقویته أمام الدعوات الشعبویة والقومیة لسیاسات أكثر انغلاقا.
وفي هذا الإطار، يستبعد محللون انهيار النظام الدولي الحالي بعد انتهاء أزمة وباء «كورونا»، كما انهم يستبعدون ان یتجه محور القوة إلى الشرق الآسیوي، لسببین: الأول أن القوى العظمى بما فيها الصين تضررت من الوباء، أي انھا لن تنجح في تسویق نفسھا كمنتصرة في المعركة، والسبب الثاني، أن النظام الدولي الحالي لم یتشكل بفعل الأوبئة والأمراض، لكن بسبب تحولات في القوة العسكریة، حیث انھارت ألمانیا وصعدت الولایات المتحدة وفرضت رؤیتھا اللیبرالیة على العالم.
باختصار، «كورونا» لن یغیر في طبیعة النظام العالمي الحالي، سیبقى لیبرالیا منفتحا متصلا لوقت طویل، إلى حین صعود قوى أخرى تھدمه، ذلك ان للجراثیم والفیروسات قوى غیر مرئیة، لكن لیس من بینھا تشكیل صورة العالم الجدید.
وإجمالا، من غیر المتوقع أن یتفكك العالم إلى قرى معزولة، لكن الحكمة المستخلصة: لا أحد بمقدوره أن یقف وحیدا أمام ھذه الجائحة التي قد تتكرر مستقبلا. كما أن العولمة لن تنتھي لكنھا ستتبدل، حيث سیعلو شأن المنظمات الدولیة العابرة للحدود، مع تغیر النظام التعلیمي وزیادة الاھتمام بالقطاع الصحي في العالم.
فیروس «كورونا» لم ينتج عن العولمة، لكن الاخيرة ستنجح في محاربته من خلال بلورة رؤیة فاعلة، مبنیة على انعدام الأنانیة والتفاف الأفراد نحو العمل الجماعي وتشارك المعلومة والمعرفة، تماما كما نجحت في الخروج من أزمات مشابھة.
في العقود الماضیة، فالاقتصاد العالمي سیعاود الصعود والتعافي، وإن كان من الصعب التكھن بمدى ومدة ذلك من دون معرفة أمد الأزمة نفسھا وحجم الأضرار التي ستخلفھا. كما أنه سیكون ھناك تفاوت بین الدول فیما یتعلق بمدى وسرعة تعافیھا من الآثار الاقتصادیة لھذه الأزمة بحسب متانة اقتصاداتھا ومرونتھا.