ضيف كريم يزورنا شهرا واحدا في السنة، ضيف خفيف أكرمنا الله به لنتوقف قليلا في سباق الحياة ونلتقط أنفاسنا لتملأنا نفحات البركة والرحمة والسكينة، ولكن ما أسرع مرور أيامه لنجد أنفسنا نحاول قدر المستطاع أن نغرف من معانيه الروحية لنعيد شحن إيمانياتنا من جديد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه».
تستوقفني في هذا الشهر الكريم قيمة اجتماعية غالية تدارستها كواحدة من بركات رمضان ألا وهي التواصل الأسري والاجتماعي المباشر، فخلال العام نادرا ما تلتقي العائلة الصغيرة على مائدة الطعام، فلكل فرد مواعيد عمل مختلفة وانشغالاته الخارجية، أما في رمضان فتتوحد أوقات الطعام «وجبة الفطور» وتعقبها فترة شرب الشاي والقهوة، وما أجملها من لحظات ترابط تحمل معاني الحب والقرب للأسرة، ويمكن استغلال الجلسات العائلية الحميمية من قبل الوالدين لجذب الأبناء لتبادل الأحاديث المباشرة معهم وجذبهم للانفتاح أكثر مع والديهم ومد جسور عائلية بين الجميع، فما أجمل أن نأخذ بيد صغارنا ليتعلموا دينهم وأمور الحياة مع والديهم وترسخ معها ذكريات تظل مخزونا جميلا راسخا في ذاكرتهم طوال حياتهم.
في رمضان تفتح البيوت، وخاصة منازل كبار السن وكبار العائلة لاستقبال المهنئين، وتكثر اللقاءات، وتلتقي النفوس لتهنأ بلطف الابتسامة المشرقة والترحيب للعائلات من قلوب اشتاقت بعضها لبعض، فرمضان شهر التراحم والمحبة.
ومع ارتفاع صوت الأذان تزدحم المساجد بالمصلين طوال اليوم، خاصة في صلاتي التراويح والقيام، فيلتقي الجار بجاره ويزداد التعارف بين المصلين في جو إيماني مبارك يزيد اقترابنا بعضنا من بعض.
والكويت بلد الإنسانية والعطاء، حيث تكثر موائد الإفطار للمحتاجين والفقراء سواء داخل الدواوين في البيوت أو في المساجد، وغير ذلك مما نسمع ونشاهد من مجهودات شخصية أو جماعية لتوزيع وجبات الإفطار على العمال والمحتاجين، وأروي في هذا السياق قصة سمعتها عن امرأة باكستانية تعيش في الكويت وتعول أبناءها بعد وفاة زوجها، ولأن دخلها كسائقة تحت الطلب لا يكاد يكفي التزاماتها فإنها لا تجد المال الكافي لإعداد الطعام المغذي لصغارها ولا الوقت، فتقول: كل يوم أضع المفرش على الأرض وأرفع يدي للسماء أطلب من الرزاق رزقه وما إن يؤذن المغرب حتى تمتلئ سفرتي المتواضعة بأطيب الطعام المرسل من أناس لا أعرفهم ولا أعرف كيف وصلوا إليّ فآكل وصغاري ونشبع، وأحيانا يكون الطعام اكثر من حاجتنا فأوزعه على من أعرف من المحتاجين.
العلاقات الإنسانية والاجتماعية في رمضان تعزز السعادة الشخصية وتقوى الثقة بالنفس والإحساس بالأمان الاجتماعي، فيا له من خير وفير في شهر كريم من رب كريم.
[email protected]