أليس غريبا أن يظن البعض أنه لو امتلك ترسانة عسكرية ونووية سيكون الأقوى من بين دول العالم، ولعل هناك آخرين يرون أن مفتاح نهضتنا وتقدمنا يكمن في الجانب العسكري والصناعي، بحيث لو اشترينا الأسلحة لأصبحنا قوة عظمى، وهذا بلا شك ناتج عن عدم رؤية واضحة ومتكاملة لعناصر الرقي والتقدم. فقد كان المسلمون الأوائل لديهم القليل من المال والسلاح، ولكنهم سادوا وأبدعوا كثيرا، بسبب القيم الأخلاقية العالية التي كانت لديهم، من صدق وأمانة وعفة ونظام في النفس والحياة معا، نعم لقد تقدموا بسبب هذه المثل الأخلاقية الرفيعة، فكانوا قدوة للأمم الأخرى، ودخلوا في دين الله أفواجا من الأمم الأخرى.
أما لو نظرت إلى واقع العالم العربي والإسلامي مع الأسف، فتجد الغش والخداع والفوضى، وكثرة الكلام وقلة العمل، وأصبحت السلطة طريقا للثروة والثراء فقط في العالم الإسلامي، على حساب المال العام، وأصبح اللص الكبير يقطع يد اللص الصغير، وسارق السر يقطعه سارق العلانية، كما يقول ذلك الحسن البصري، وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم، أن هلاك الأمم انه إذا سرق القوي تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد.. وكما يقول الشيخ محمد الغزالي: والأخلاق ليست شيئا يكتسب بالقراءة والكتابة، أو الخطابة والدعاية، إنها درجة تكتسب بالمعاناة الشديدة.
وبعد سوء الأخلاق يأتي الاستبداد الذي هو من أسرار تخلفنا، ولقد رأينا بعد الربيع العربي كيف كانت الأنظمة العربية مستبدة، حيث بلغت درجة من الاستبداد لم نقرأ عنها في التاريخ، هل يعقل ان يصنع فرن كبير يحرق فيه المعارضون؟ وقد فعل ذلك القذافي، ما ذنب الأطفال حتى يقتلوا؟ ماذا فعل علي فرزات حتى تكسر أصابعه؟ ماذا اقترف حمزة الخطيب حتى يقتل بهذا الشكل؟ ثم يأتي بعض مشايخنا وعلمائنا ومفكرينا وزعماء الأحزاب السياسية، ويقفون مع هذا الطاغية المستبد، بحجة أنه نظام ممانع، أي فكر سقيم مشلول ونتن وعفن هذا؟!.. ألم يتذكر هؤلاء أن أول من تسعر بهم النار رجال دين يطلبون الدنيا؟ كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم. وكما يقول المفكر السوري الكواكبي: من أقبح أنواع الاستبداد استبداد الجهل على العلم، واستبداد النفس على العقل. إذن فسر تخلفنا وتأخرنا وتقدم غيرنا هو سوء أخلاقنا واستبدادنا على حد سواء، ومتى ما تخلصنا من هذين المرضين، فإننا سنتقدم إلى العالم الرحب الفسيح، وأعتقد أن الثورات تبشر بهذا الشيء.
[email protected]