في فجر يوم الجمعة 3 يناير الجاري تم اغتيال اللواء قاسم سليماني رئيس فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس ومرافقيهما في بغداد، بأمر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، نتيجة الهجوم على مقر السفارة الأميركية في العراق، من قبل ميليشيات موالية لإيران في 31 ديسمبر.
التصريحات السياسية التي أعقبت عملية الاغتيال سواء الصادرة من الإدارة الأميركية أو من الخارجية الإيرانية أكدت استبعاد نشوب حرب بين إيران والولايات المتحدة، وفي المقابل جاء تصريح زعيم حزب الله اللبناني حسن نصر الله: «القصاص العادل من قتلته سيكون مسؤولية كل المقاومين على امتداد العالم»، كما صدرت تصريحات عن زعماء الميليشيات العراقية تصب في دعوة الحكومة العراقية لإنهاء الوجود الأميركي في العراق.
قاسم سليماني ليس قائدا عسكريا وحسب، بل ارتبط اسمه برسم السياسات الخارجية الإيرانية وتنفيذها، بدءا من تصدير الثورة، ثم الإشراف على أذرع إيران من ميليشيات مسلحة في المنطقة، في العراق وسورية ولبنان واليمن.
والمتتبع للتطورات السياسية في المنطقة والتصعيد خلال السنة الماضية الذي سبق اغتيال سليماني يستذكر أزمة البواخر في مياه الخليج، إضافة إلى الهجوم على بعض البواخر في موانئ الإمارات، وإسقاط طائرة الاستطلاع الأميركية الذي تم من داخل الأراضي الإيرانية، والاعتداء الإيراني المتكرر على أراضي المملكة العربية السعودية، وآخرها الهجوم على المنشآت النفطية الذي جاء بإجماع الخبراء من داخل العمق الإيراني.
ومع ذلك جاء الرد الأميركي باستهداف سليماني خارج إيران! وهي رسالة واضحة للقيادة الإيرانية بأن أميركا لا تريد حربا، لكنها تهدف الى مواجهة أذرع إيران في المنطقة، وتقزيم دورها في سورية ولبنان واليمن، وفي حال تم التصعيد من قبل إيران، قد تلجأ أميركا إلى مزيد من الاغتيالات الموجعة في مناطق النفوذ الإيراني في المنطقة.
من الواضح أنه لا حرب بين الولايات المتحدة وإيران، لكن إيران سترد وسيأتي ردها لحفظ ماء الوجه فقط، أولا لأن القيادة الإيرانية لا ترغب في دخول مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة، من جهة، ومن جهة ثانية لأن موازين القوى ليست لصالحها لتخوض حربا كهذه، لكن قواعد الاشتباك قد تتغير بحيث يكون ردها إما في مناطق النفوذ الإيراني في العراق وسورية، أو ضد بعض المصالح الأميركية في دول الخليج.
وتبقى الأسئلة الأساسية مفتوحة: هل جاء الرد الأميركي باغتيال سليماني والتصريحات الأميركية التي أعقبته لإضعاف الدور الإيراني في المنطقة فعلا؟ أم أنها مجرد تصريحات قد يراد من نبرتها المرتفعة حصد أكبر نتائج وتوظيفها في الانتخابات الأميركية القادمة؟
والسؤال الثاني: هل سيكون الرد الإيراني عسكريا بالضرورة أم ردا سياسيا من خلال أذرعها في العراق ولبنان، بحيث تدفع العراقيين لتأزيم الوجود الأميركي في العراق وهو ما بدأ بطلب البرلمان العراقي من الحكومة إنهاء الوجود الأميركي في العراق، كبداية لاستنزاف هذا الوجود واعتباره احتلالا يجب مقاومته وهو ما قد يدخل العراق في مزيد من الفوضى؟ وليس بعيدا أن تسعى إيران لإشعال الجبهة اللبنانية ـ الإسرائيلية لترميم صورتها أمام العالم العربي والإسلامي السني التي اهتزت نتيجة اغتيال سليماني.
وأخيرا، يبقى مشروع النفوذ الإيراني وأطماعه التوسعية في المنطقة وتذبذب الموقف الأميركي منه هو المسيطر ما لم يكن هناك مشروع خليجي وعربي موحد لمواجهته.