الإدارة العامة للتحقيقات تعتبر من أهم الإدارات على مستوى البلد، ناهيك عن وزارة الداخلية، فهذه الإدارة تتولى التحقيق والادعاء والتصرف في الجنح وهي كل جريمة تقل عقوبتها عن ثلاث سنوات سجن، ويبلغ تعداد هذه الجنح ما يفوق المائة ألف قضية في السنة، وهي تتجاوز أضعاف قضايا الجنايات لدى النيابة العامة. ويتولى العمل في هذه الإدارة العامة مئات من الشباب الكويتي المؤهلين قانونيا بل تشكل الكوادر الكويتية ما نسبته 100% من العاملين في سلك التحقيق وهذه نسبة غير متحققة في غالبية إدارات الدولة، ويستند وجود هذه الإدارة إلى المادة 167 من الدستور والتي أجازت على سبيل الاستثناء لجهات الأمن العام تولي الدعوى العمومية في الجنح.
ولما كان هذا الاستثناء مربوطا بالجواز فقد جاءت المذكرة التفسيرية للدستور واضحة وجلية في طبيعة هذه الإدارة الهامة، وأنه لا ينبغي التوسع في هذا الاستثناء، وقد جاء في المذكرة التفسيرية ما نصه «ومقتضى هذا النص عدم جواز التوسع في هذه الرخصة لأنها استثناء والاستثناءات تجري في أضيق الحدود»، كما أكدت المذكرة التفسيرية على ملاحظات هامة لإدارة التحقيقات تم تجاهلها من قبل وزارة الداخلية، حيث قامت بإرجاع المحققين إلى المخافر وعدم إيجاد مبان مستقلة وتوفير إمكانيات خاصة بهذه الإدارة الهامة، وقد جاء في المذكرة التفسيرية ما نصه « وأن يكفل للقائمين.. تنظيم إداري يكفل لهم القدر الضروري من الحيدة والاستقلال والبعد عن أصداء ما يلزم عمل جهاز الأمن العام من اتصال يومي بالجمهور واحتكاك بالكثيرين من الناس كل يوم».
فهل بعد هذه النصوص الصريحة من الدستور والمذكرة التفسيرية أن يكون لنا أي عذر في ترك هذه الإدارة الهامة تحت سلطة وهيمنة الجهاز التنفيذي المتمثل في وزارة الداخلية مع انها وردت في الدستور في الفصل الخامس/ السلطة القضائية؟! لذا يجب الرجوع للأصل وفك التشابك بين السلطات واستقلالية السلطة القضائية بالكامل عن طريق إلحاق الإدارة العامة للتحقيقات بالنيابة العامة، وهذا من حيث المبدأ يجب أن نقره ولا نتنازل عنه.
أما بعض الإشكاليات التي قد تطرأ على هذا الضم فيمكن بسهولة معالجتها بالقانون الخاص الذي سيصدر بهذا الشأن.. مع العلم أن هذا الضم ليس له أي تكلفة مالية على الدولة.
إن استقلالية الجهاز القضائي مبدأ دستوري صريح لا يجوز التساهل فيه، ولعل وجود الإدارة العامة للتحقيقات خارج السلطة القضائية هو أكبر انتهاك لاستقلالية القضاء وضمان الحيدة له.
إن قرار اللجنة التشريعية بالموافقة على ضم «التحقيقات» للنيابة هو خطوة في الاتجاه الصحيح نتمنى أن تكتمل بإقرار المجلس لهذا القانون الذي طال انتظاره، وهو إن أقر فسيعتبر إنجازا رائعا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.
أما أن يحضر وزير الداخلية للجنة التشريعية ويصف «التحقيقات» بالإدارة الفاسدة فأقول له: يا معالي الوزير الإدارة وحسب الهيكل التنظيمي تتبع للوزير مباشرة، فإما أنك تعلم بهذا الفساد وأنت عاجز عن إصلاحه أو أنه لا يوجد فساد أصلا وفي كلا الأمرين لا ينبغي لك يا معالي الوزير أن يصدر منك مثل هذا الكلام.
[email protected]