الموت.. واقع يلاحقنا.. وقضاء وأمر إلهي مكتوب علينا جميعا..
قد نحاول الفرار منه.. وقد نتحاشى الحديث عنه.. إلا أنه المصير المحتوم لكل واحد منا..
وهكذا هي أزمتنا (أزمة الكويت).. شبيهة بالموت تماما.. نحاول أن نتجنبها ونرفض مناقشتها والخوض فيها.. إلا أن الواقع والظروف فرضتها علينا..
كلنا يعرف أن الكويت ليست وليدة اليوم أو الأمس بل هي دولة لها تاريخ عريق ومكانة مرموقة بين دول العالم..
إلا أن ما عانته وما زالت تعانيه من صراعات وأزمات سياسية خارجية أثر كثيرا في نموها وتقدمها وتطورها بالشكل المتوقع منها كونها دولة نفطية.
فمن حرب العراق مع إيران (حرب الخليج) إلى الغزو العراقي الذي أدى إلى تدمير البنية التحتية لجميع مؤسسات الدولة ومرافقها واستنزاف الأموال لإعادة البناء والتعمير حتى تقف على قدميها مرة أخرى وما تبعه بعد ذلك من حرب تحرير العراق وظهور العديد من الفتن والصراعات العربية التي وقفت حجر عثرة في طريق التنمية.. حيث اتجهت الطاقات والقوى والأموال لحماية الحدود والعمل على حفظ سلامة البلد وأمنه فكان الهاجس الأمني هو محور التفكير في هذه الفترة.. في الوقت الذي اتجهت فيه دول المنطقة لاستثمار أموالها وعائداتها النفطية في التنمية والتطوير وتوفير الرفاهية لشعوبها.
فنحن لسنا كما تتهكم العديد من الأصوات وتنتقدنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو الوسائل المرئية والمسموعة وتصفنا بالعيش على الأطلال وتتحسف على كويت الماضي.
صحيح أننا قد تأخرنا عنهم ولكننا لسنا بأقل منهم كما يعتقد البعض.. بل نحن نعيش في واقع فرضته الظروف المحيطة بنا من أزمات سياسية واقتصادية..
وحينها لم نجد شماعة نعلق عليها أخطاءنا وما وصلنا إليه، وما آل إليه الحال سوى المجلس والحكومة وكأن أعضاء هذا المجلس لم نقم نحن باختيارهم بمحض إرادتنا ليمثلوننا تحت قبة البرلمان!
الكل يعتقد جازما ويؤمن تماما أن الحكومة مقصرة مع المواطنين وتتعامل معهم معاملة زوجة الأب التي كل همها «مغثة» أبناء زوجها والنيل منهم وممارسة كل الضغوط عليهم، وخصوصا «أبناؤه من الطبقات المحدودة الدخل» وقد يصيب بعض «الطشاش» الطبقات المتوسطة!
وتناسوا أننا نعيش أزمة وليست مشكلة عابرة نستطيع تجاوزها بسهولة ويسر.
فنحن نعاني فشلا إداريا شنيعا يهدد تحقيق أهدافنا ويمنع من إنجاز العمل في الوقت المحدد له.
فالأزمة التي نمر بها واقع نعيشه إلا أننا نرفض الإيمان والعمل بالحلول التي تم اختيارها لمواجهتها.
نرفضها.. لأننا تعودنا على نمط حياة معين.. تعودنا على الهدر.. على الاستنزاف.. على الرفاهية.. فكبرت مشاكلنا وتفاقمت وطفح الكيل بما حمل!
حتى صدمنا بالواقع الذي فرضته علينا الأزمة المالية العالمية والضغوطات الموجهة من قبل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الذي أدى إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات وأسعار العقار وإلغاء الدعم وقد يقودنا إلى ما لا تحمد عقباه مستقبلا كفرض الضرائب مثلا!
إذن الخطأ ليس خطأ مجلس الأمة الحالي أو الوزراء الذين تعودنا أن نلقى كل التهم عليهم جزافا.
إن الأزمة التي نعانيها هي حصيلة تراكمات لمشاكل سابقة تفاقمت وكبرت وأهمل حلها حتى وصل الحال إلى ما وصلت إليه.
فها نحن منذ الثمانينيات ننتظر بيت العمر لمدة قد تتجاوز 15 عاما إلا أننا لم نشتك وقتها ولم نتذمر من طول المدة.. على الرغم من السكن في شقق للإيجار.. فلماذا؟
لأن الإيجارات في تلك الفترة كانت منخفضة مقارنة بالوقت الحالي الذي أصبح الإيجار فيه يستنزف أكثر من نصف راتب رب الأسرة..
إذاً الارتفاع المفاجئ في أسعار العقار والإيجار هو من أوجد هذه الأزمة وخلق هذا التذمر لدى المواطن والسبب في ذلك يعود إلى عدم وجود الرقابة على الأسعار وارتفاعها ومدى تأثيرها في دخل المواطن مما أدى إلى وصولها لهذا المستوى الذي وقفت فيه الحكومة مكتوفة الأيدي وعاجزة عن فعل أي شيء، ووقعت بين خيارين كلاهما مرّ: هل سترضي المواطن أم التاجر؟
أضف إلى ذلك قلة الأراضي المستغلة للسكن مقارنة بعدد السكان وطول مدة الانتظار أدى إلى قيام الغالبية من السكان ببناء أربعة أدوار وأكثر حتى تستوعب الزيادة في عدد أفراد الأسرة مما أدى إلى زيادة في الحمل والضغط الكهربائي والازدحام الشديد داخل المناطق السكنية.
أما عن الدعم المقدم للأبناء فحدث ولا حرج.. فقط 50 دينارا غير قابلة للزيادة، وكأن الحياة وقفت على نمطها السابق منذ أكثر من 40 عاما، وكأن احتياجات الأبناء هي هي لم تتغير بالرغم من الزحف التكنولوجي والتطور التقني العالمي، أو أن أسعار الكماليات والأساسيات ثابتة على ما هي عليه ولم تتأثر، فماذا فعلت الحكومة لحل هذه المعضلة؟
لجأت إلى الحلول الترقيعية السريعة «ويا كثرها وهي بالمخبة جاهزة في أي وقت وتفي بالغرض ولها مفعول السحر في إسكات الأفواه».. فزادت الرواتب وقدمت البدلات وكأنها تناست أو تغافلت عما يصاحب ذلك من زيادة في الأسعار من قبل التجار وزيادة في رسوم الخدمات وبالتالي لا يستفيد المواطن من هذه الزيادة الشكلية.. فلسان حاله يقول: «لا طبنا ولا غدا الشر».
وكذلك هو الحال بالنسبة للخدمات الصحية وما أدراك عن حال الصحة لدينا؟ كيف كانت وكيف أصبحت؟!
قد يعتقد الكثير منا أن هناك تقصيرا في تقديم الخدمات والرعاية الصحية، والصحيح هو ليس بتقصير في تقديم الخدمة بل هناك سوء في التخطيط والتنظيم، فكما هو ملاحظ مشاركة العمالة الوافدة في تلقي هذه الخدمات الصحية وغيرها من الخدمات التي توفرها الدولة لمواطنيها على حد سواء دون التركيز على المواطن بشكل خاص بل مساواته بالوافد.
فما نعانيه هو استنزاف في الخدمات والموارد للجميع بلا استثناء وقد يكون من دون وجه حق ودون تخطيط.
فكل شيء مشترك بين المواطن والمقيم، وهذا ما أضاع حق المواطن في تلقيه للعلاج وأصبح ينتظر الوقت الطويل ليتم علاجه.
وهنا قد يتساءل البعض: هل تعاني الكويت أزمة في الصحة والإسكان فقط؟ والإجابة لا.. ولكن الصحة والإسكان تعدان من أبرز الأزمات التي نعانيها والتي برزت على السطح بشكل واضح خلال هذه الفترة، ناهيك عن غيرها من المشكلات التي لا مجال لحصرها في هذا المقال لكثرتها.
وبعد كل هذا.
ما الحل لمواجهة هذه الأزمة؟ ومن بيده الحل؟ وكيف باستطاعتنا مواجهتها؟ وهل سنتمكن من القضاء عليها بحلول جذرية تستأصلها من جذورها؟ أم كما تعودنا دائما على الحلول الترقيعية المؤقتة؟
باعتقادي أن الخيارات أمام الحكومة صعبة.. كونها تتعامل مع أزمة تحيط بالشعب بأكمله، فهي أمام دور صعب ومهمة أصعب، كيف تخلق أو تصنع تلك الشخصية أو الأداة أو القوة التي باستطاعتها إقناع الشارع وتثقيفه وتوعيته بما يدور حوله؟ وهل سيتقبل الشارع ذلك؟
وماذا عن إصدار قوانين ولوائح جديدة للقضاء على هذه الأزمة؟ وكيف ستكون ردود الأفعال حولها؟
ويبقى السؤال الذي نبحث له عن إجابة: من بيده الشجاعة ليتحمل المسؤولية ويواجه هذه الأزمة بقوة وإصرار ورغبة في التغيير حتى تتساقط أركانها وتتلاشى أسبابها وآثارها؟
هذا ما نجهله.. ونتمنى ألا تزداد الأزمة تعقيدا ويقع ما لا تحمد عقباه!
[email protected]