كثر الحديث عن العلمانية بين مؤيد ومعارض، وبين مناهض لسياسة العلمانية وعشاق العلمانية دون التعمق قليلا في تداعيات نشأة العلمانية لدى الغرب ومعضلة عدم التمكن من استيرادها وتطبيقها لدينا.
إن معظم الدول العظمى التي نشأت لديها العلمانية كان اول سبب في ظهورها هو الاختلافات العرقية والدينية، فبالنظر الى التركيبة السكانية لدى هذه الدول نجد أن القوى المسيطرة على القرارات تنتمي لديانات مختلفة، فتضارب المصالح وكثرة النزاعات وعدم الاتفاق على مبدأ ديني محدد هي ما آل بهذه الدول الى عدم الاعتماد على الدين في آلية الحكم داخل مجتمعاتهم حتى تستقر الدول لديهم وتقلل من حدة صراع الحضارات والثقافات.
وعند النظر إلى الدستور البريطاني على سبيل المثال نجد أنه حدد الديانات الرئيسية في المملكة المتحدة في أن الدين الرئيسي لديها هو المسيحية يليه الإسلام ثم الهندوسية وبعدها السيخية ثم اليهودية.
وفي نطاق آخر، نجد أن فرنسا أحد أبرز الدول العلمانية قد ذكرت في دستورها ان فرنسا دولة حرة الأديان بيد انها لم تنف ان ابرز الأديان لديها هي المسيحية الكاثوليكية والإسلام واليهودية.
وهذه كانت مقارنات بسيطة لبعض ما ذكر في دساتير بعض البلدان التي ترتكز على العلمانية، وبالعودة الى الكويت التي ينادي البعض فيها الى أن تكون دولة علمانية، فهو يخالف بذلك المادة الثانية من الدستور الكويتي الذي لم يفتح المجال لتعدد الاديان بل كانت المادة مقتصرة على أن دين الدولة هو الإسلام وأن الشريعة الإسلامية هي مصدر رئيسي في التشريع.
وحين النظر في تداعيات ذلك الأمر نجد ان المجتمع الكويتي نسيج متجانس أغلبيته دينه هو الإسلام وإن اختلفوا في بعض الأحاكم والتفسيرات إلا أن الجوهر والقاعدة متفق عليها في الكويت.
إذن، تطبيق العلمانية كما ينادي البعض بها فيه مخالفة صريحة للدستور لذا، فإن تطبيق العلمانية وفقا لمواد الدستور الحالية غير ممكن وهذا يفتح المجال للبعض لينادي إلى تعديل المادة الثانية من الدستور، وهو الأمر المرفوض جملة وتفصيلا لدى شريحة كبيرة من المجتمع الكويتي فدستورنا ثابت لا نريد ان يتم التغيير فيه وإذا كانت هناك مستقبلا مطالبات بتعديل الدستور فبالتأكيد لن تكون للمادة الثانية بل ستكون في مجالات أخرى تخدم التقدم وتواكب الحضارة، فالعلمانية لا تأتي بحضارة بل تأتي بمزيد من الانفلات الديني.
بيد ان ذلك الأمر لم يعق الدولة في السماحة الدينية، فكل الطوائف لدينا تمارس شعائرها بما لا يخالف عقيدة الدولة، وهذا أيضا مكفول في الدستور ويدخل تحت نطاق حقوق الإنسان، فالدولة لا تتعدى على أحد والكل كرامته مصانة، ولكن القوانين التي تحكمنا لا نريدها أن تضر الإسلام بل تخدمه.
وحين النظر إلى العلمانية في الدول الغربية فهي خدمت الإسلام بشكل كبير فقد ساهمت في انتشاره واعتناق الكثير من الجاليات لديهم للإسلام، لذا فالعلمانية لديهم تخدم الإسلام لأنها دول غير إسلامية، ولكن نحن بقعة من الأرض قريبة من الكعبة المشرفة تنتمي الى شبه الجزيرة العربية التي كانت مهبط الإسلام فيها، فأبدا لن نقبل بالعلمانية وخصوصا أننا ضمن منظومة دول مجلس التعاون الخليجي وهناك مطالبات بأن يصبح مجلس التعاون مستقبلا اتحادا خليجيا.
إذن، لابد أن تكون جميع قوانينا متناسقة ولا يوجد بينها تعارض لنتمكن من رسم ملامح واضحة للهوية الخليجية.
ونعود لنشدد على أن الغرب ليسوا علمانية فحسب بل عمل وابتكار وإنجازات وعلم، فبدلا من الترويج للعلمانية نروج للتقدم العلمي والابتكارات في الحقول العلمية المختلفة، فهذا هو الأهم.