@Tab6_khayran
«هذا العام يضحك الناس من دفني الزهور.. العام القادم من يعرف متى أُدفن؟»، تطرح هذه الشكوى الشعرية الحزينة من رواية «حلم القصر الأحمر» الصينية سؤالا وجوديا يتجاوز مصير بطلتها، إنه سؤال يطرح على الحضارات بأكملها: ماذا تفعل بتراثك عندما يبدو هشا كزهرة في مهب ريح الحداثة؟ هل تدفنه تكريما له، أم تتركه ليسحق تحت أقدام المستقبل؟
لقد أجابت الصين المعاصرة على هذا السؤال باستراتيجية عبقرية، هي لم تدفن زهور تراثها، بل نقلتها إلى مشتل حديث ورعتها لتزهر من جديد، أدركت الصين أن قوتها الحقيقية لا تكمن فقط في مصانعها وناطحات سحابها، بل في الروح العميقة لحضارتها. فبدلا من رؤية الماضي كعبء، رأته كالوقود الذي لا ينضب لنهضتها.
هذا «الوقود» لم يستخدم لتـدفـئـة الحـنين إلى الماضي، بل لتشغيل محـركات المستـقـبل، تـــم ضخ الفلسفة الكونفوشيوسية في منظــومة القيم الحديثة لتعزيز التناغم المجتمعي، وتــحولت أساطيرها التاريخية إلى أعمال سينمائية عالمية غـــزت الشاشات، وألهم المصممون المعماريون بخطوط المـباني الإمبراطورية لتشييد أيقونات حــديثة، لقد تحول التراث في الصين من قطعة أثرية جـــامدة إلى كائن حي يتنفس، يصدر كقوة ناعمة، ويدر دخلا عبر السياحة، والأهم أنه يمنح كل مواطن صيني شعورا بالفخر والاتصال بجذور تمتد لآلاف السنين، باختصار، الصين لم تحافظ على تــراثها فحسب، بل جعلته شريكا في بناء المستقبل.
هذا النموذج في التعامل مع التراث يضعنا في الكويت أمام مرآة لاذعة، نحن أيضا لدينا «زهورنا» الخاصة التي شكلت هويتنا: حكايات البحر والصحراء، قيم الفريج، جماليات العمارة القديمة، لكننا، نمارس شكلا آخر من الدفن، إنه ليس دفن التكريم الحزين، بل دفن اللامبالاة تحت رمال التنمية السريعة، كل بيت قديم يهدم، وكل حرفة تندثر، هي زهرة ندفنها ليس لأننا نحبها، بل لأننا لا نرى جدوى من بقائها.
إن تراثنا، الذي كان يجب أن يكون التربة التي نغرس فيها مستقبلنا، تحول إلى قطعة ديكور نتباهى بها في المهرجانات ثم نعود لنهملها. وهكذا، بينما بنت الصين نهضتها من حديقة ذاكرتها المزدهرة، فإننا نجازف ببناء مستقبلنا على أرض مقفرة، بعد أن نكون قد دفنا بأيدينا كل الزهور التي كان يمكن أن نمنحها اللون والرائحة والعمق.