ما زلنا نعيش ذكريات الاحتلال العراقي للكويت في 2 أغسطس 1990، وقد امتلأت وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بالتغطيات والتحقيقات والتقارير الصحافية والإعلامية، وظهور معلومات وشهادات جديدة، ومنها ما قدمته جريدة «الأنباء» الأسبوع الماضي مشكورة.
ومن الشهادات المنصفة ما شهد به الشيخ الداعية حمد سنان، حفظه الله، التي ذكرها في خطبة الجمعة الماضية، والذي كان مرابطا فترة الاحتلال في الكويت، وهذا جزء من خطبته مع التعديل لزوم المقال:
دخل علينا الاحتلال العراقي قبل 27 عاما، وقد بلغت القلوب الحناجر، وظن الناس بالله الظنون، وزلزلوا زلزالا شديدا، وانتزع الأمن من كل بقعة، وزاحمت الدبابات في الشوارع السيارات، وانقطع كل خبر إلا خبر سوء، هنالك دعا الناس ربهم: «لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين».. فأنجانا الله منها.
سأتكلم عن شهادة حق، أذكر فيها فضلا، وأدفع فيها ظلما، مبتغيا من ذلك وعد النبي ﷺ: «من رد عن عرض أخيه، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة»، والذي دعاني إلى هذه الشهادة تخوين بعض الناس لدعاة عملوا طيلة الشهور السبعة الشداد حبا لبلدهم، وابتغاء مرضاة ربهم، يخونهم بعض من أشباه الدعاة والمشايخ، يتابعهم على ذلك مفتونون من أتباعهم وعوام مستغفلون بادعاءاتهم ودعاواهم، وإليكم شهادتي وأقول:
في الجمعة الثانية للغزو العراقي للكويت، صلى العصر عندي د.خالد المذكور، وأخبرني بأن الإخوة بصدد إنشاء لجان أمنية لمناطق الكويت من أجل تسيير الأمور، فاستحسنت ذلك، ثم جاءني بعد يومين أو ثلاثة ـ لا أذكر ـ فقال: لظروف احترازية قرر الإخوة تسميتها «لجان التكافل».
وبدأت «لجان التكافل» عملها، وتنظيم الأمور وإعادة هيكلة العمل، والتي شارك فيها الجميع، وذلك في الأسبوع الثالث تقريبا للاحتلال.
بدأت «لجان التكافل» أعمالها بإعادة تشغيل المرافق الحيوية في البلاد، فأعيد تشغيل المخابز، وأعيد فتح الجمعيات التعاونية، وفتحت أبواب المخازن، وتم الاتصال بمن بقي من كبار تجار المواد الغذائية، وأعيد تشغيل محطات الوقود، وفتح بعض المستوصفات التي أغلقت، وما أدراك ما يعني العمل في المستوصف آنذاك، وأقلها تهمة إيواء أو علاج أفراد المقاومة، فتشجع الجميع، وعمل الجميع.
ولن أنسى ما حييت، وكأنه ماثل أمامي اليوم، منظر الشاب الذي يقود شاحنة جمع القمامة، والآخرين متعلقين بها من الخلف يجمعون القمامة.
ولم يقتصر عمل «لجان التكافل» التي أنشأها شباب «جمعية الإصلاح» وشارك فيها الجميع على تأمين الحاجات الضرورية، بل تعدى الأمر إلى التواصل مع الحكومة في الخارج، وتسلم النقود وتوزيعها على الناس في الداخل، ولا أظن أن من عاش تلك الأيام في الداخل تجاهل عقوبة توزيع الأموال.
ولا أنسى صورة د. أحمد الهولي، أحد شباب الإصلاح حينها، وهو يدعو في ختام مؤتمر الشرعية بجدة بعودة الكويت، والأمير الوالد الشيخ سعد رحمه الله يؤمن خلفه.
ولم يقتصر دور «لجان التكافل» على الأعمال المدنية والخدمات الاجتماعية، بل تعداها كذلك إلى المقاومة العسكرية، جنبا إلى جنب مع باقي فصائل المقاومة.
كل ذلك.. ثم يأتي اليوم من لم ينبت له شارب في الغزو، أو من لم يكن قد وجد بعد، أو كان موجودا متواريا داخل بيته أو فارا خارج بلده ليخون هؤلاء الذين بذلوا من أوقاتهم وعرقهم ودمائهم، ويشكك بولائهم ويطعن على وطنيتهم!
فهذا ما أحببت أن أدفع به ظلما، وأذكر به من فضل الله، والله يقول: «ولا تنسوا الفضل بينكم». انتهى.
فجزى الله خيرا الشيخ حمد سنان على هذه الخطبة التاريخية، وليؤكد للجميع أن التكافل والإصلاح اسمان حفرا في تاريخ الكويت حبا وولاء وإخلاصا.
اللهم احفظ الكويت وشعبها من كل مكروه.. آمين.