زرت قبل عدة سنوات مركزا إسلاميا في استراليا يديره تجار شباب ليسوا متدينين، فاستغربنا وسعدنا بنفس الوقت، وجلسنا مع الرئيس ونائبه (التاجر) لنعرف ما هي الحكاية، فسردا قصة هذا المركز الذي بدأ مسجدا فقط قبل 50 سنة، ومع ازدياد الهجرة اللبنانية لهذه المنطقة (لاكمبا)، تم بناء مسجد ضخم بتبرعات المقيمين، وتحويله إلى مركز إسلامي يضم خدمات متعددة، من عقد قران وطلاق، ومواريث وغسيل موتى، ومحاضرات وندوات وإفطار صائم.. وغيرها، وأشرف على ذلك شيخ أزهري كان بمنزلة الأب الروحي لهم، لعدم وجود مشايخ وعلماء هناك آنذاك، وتم تشكيل مجلس إدارة من متطوعين.
ومع مرور الوقت بدأت الإيرادات تشح، وأصبح المسجد بحاجة إلى صيانة جذرية، ولم يعد بمقدور أعضاء المجلس توفير المال الكافي لتشغيل المركز، كما أنهم كبروا بالسن وتعبوا من العمل التطوعي اليومي، فجاءت فكرة إدخال مجموعة من الشباب في مجلس الإدارة بمعدل نصف العدد، وصدف أن وقع الاختيار على شباب تجار غير متدينين لكنهم حركيون ونشطون، مع مجموعة من الأعضاء القدامى لزوم الخبرة، واختاروا الرئيس ونائبه من الشباب التجار.
وبعد عدة اجتماعات، اتفق الشباب الجدد أن توكل المسؤوليات الدينية للأعضاء القدامى، لعدم معرفتهم بها (كانوا واقعيين إداريا ولم يكابروا)، وتفرغوا هم للتخطيط وإعادة الهيكلة، وتقسيم العمل واللجان، وتوفير الموارد المالية.
ولخبرتهم التجارية الناجحة، استطاعوا إعادة ترتيب الأمور الإدارية خلال فترة وجيزة، فتم تعيين إمام متفرغ خريج شريعة إسلامية، وهو شاب يتقن اللغة الإنجليزية، وعين الشيخ المصري القديم (المسن) مستشارا شرعيا، وتشكيل لجنة ثقافية لباقي الأمور.
ثم شرعوا في توفير الموارد المالية، أهم رافد لعمل أي مركز إسلامي في العالم، فجمعوا التبرعات من التجار الكبار لعلاقاتهم القوية بهم، واستثمار جزء منها، وتمت صيانة وتجديد وتوسعة المسجد بالكامل، وشراء بعض الأراضي المجاورة، وبناء مركز اجتماعي ثقافي من 5 أدوار، فيه قاعات تدريب، وصالة رياضية فيها حلبة ملاكمة، (لأن اللبنانيين يحبون الملاكمة)، وقاعة كبيرة متعددة الأغراض (أعراس، ولائم، حفلات..)، وخدمات مطاعم (VIP)، وكلها تستخدم برسوم معقولة، باستثناء القرآن والدروس الشرعية مجانية، مما وفر مدخولا ماليا ممتازا للمركز الإسلامي.
واشتروا سيارة موتى، ونظموا دفن المسلمين بشكل يليق بهم بالتنسيق مع البلدية بحكم علاقاتهم، وما زالوا يقومون بالتطوير وتوفير موارد مالية متنوعة.
ورأيت نفس الشيء عندما تسلم إدارة مدرسة الشيخ عبدالله النوري رحمه الله في سيدني مجموعة تجار لبنانيين، فحولوها من بيتين قديمين (منذ السبعينيات)، إلى مبان حديثة وفق أرقى النظم، بمساحة تزيد على عشرة آلاف متر، وبتوسع مستمر لاستيعاب المزيد من الطلبة المسلمين هناك.
ومن هنا أدعو الأخوة التجار في كل مكان.. في الكويت والسويد والبرازيل وجنوب أفريقيا والهند.. وغيرها، للمشاركة في العمل الاجتماعي والخيري والإنساني، من خلال جمعيات النفع العام والمراكز الإسلامية، فتفكير التاجر (الناجح) يختلف عن تفكير الآخرين، استراتيجيا وفكرياً وإدارة وقيادة ونتيجة، وسنرى نقلة نوعية في العمل التطوعي، ترتقي به، وتعلو بالموارد المالية، وتخفف من المآزق وأسلوب الطرارة التي تمارسها الجمعيات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولاستكمال الدور المنقوص للتجار الكرام في هذا الميدان الإنساني الكبير.
أنا أعرف أن لهم مشاركات ميدانية عديدة، لكن الطموح أكبر.