جلبت لنا المدنية الحديثة تغيرات غلفت أوجه حياتنا بنسق جديد عقّد الحياة الأسرية وتغيّرت معه طبيعة العلاقة بين الزوجين والأبناء وباقي أفراد الأسرة، لم يعد الزواج في نظر البعض مرحلة للاستقرار وبناء الأسرة بل أصبح هناك من يقدم على الزواج سواء الرجل أو المرأة للوصول لأهداف خاصة به كالحصول على المال أو التقرب من فئة اجتماعية معينة أو للتمتع بمساحة حرية أكبر وغير ذلك.
في زمن الرفاهية نجد المنازل حديثة واسعة تساير متطلبات الحياة العصرية، لكل فرد غرفة خاصة أنيقة ومتكاملة، وأصبحت البيوت تزدحم بالعمالة المنزلية ولكن في المقابل نجد بعض الرجال يعتقدون أن أدوارهم تقتصر على توفير المصرف والكسوة والأكل فقط ثم يحلّق عاليا بعيدا عن بيته، وبعض النساء يرون أن من أسباب كبت حريتهن وجود الزوج والأبناء فيهملن بيوتهن وعيالهن. امتلأت المولات بالبشر وازدحمت الكافيهات والمطاعم طوال اليوم وحتى ساعة متأخرة من الليل، ولم يعد التقليد يقتصر على المنظر الخارجي والسيارات ومدارس الأبناء إنما تعداها حتى إلى المشاركة في الدورات وأنشطة التطوع والانضمام لمجموعات محددة للسفر المنظم تحت إشراف شخص ما أو جهة خاصة بحثا عن الذات والراحة والسعادة.
غدا مفهوم الاغتراب الأسري شبحاً يهدد النسيج الاجتماعي لمجتمعاتنا الخليجية، فالمبالغة بالاستقلالية أضعفت التواصل والمشاعر بين أفراد الأسرة، واقتصر الحوار في كثير من الأحيان على المطالبات والتنبيهات والتذمر، ولم يعد الزوجان يطيقان وجودهما مع بعض غالبا، فالبيت يمثل لهما سجنا كبيرا ووجود الأبناء عقدة، وحتي يخففوا على أنفسهم مشاعر التأنيب ويحيطوا ذواتهم بإطار المثالية فإنهم يبالغون بالإنفاق على أبنائهم وخاصة على الأنشطة الترفيهية مع تسجيلهم بالمدارس الخاصة. أهمل كثير من الأهالي أبناءهم وتنازلوا عن جزء كبير من أدوارهم للعمالة المنزلية، فهم من يأخذ الأبناء للمدارس والعيادات الطبية والمراكز الترفيهية وحتى شراء الملابس المدرسية والقرطاسية وغيرهما. إهمال عاطفي واجتماعي وديني عزز مشاعر العزلة والكبت والحرمان العاطفي للأبناء وانعكس على ارتفاع معدلات السلوك العدواني والتنمر وضعف النظام الأسري وعدم تحمل المسؤولية وكثرة التذمر وقطيعة الرحم وعقوق الوالدين عدا العزلة مع التطور التكنولوجي الهائل.
الإهمال خلق جيلاً بلا هوية ولا ثوابت دينية أو اجتماعية وأخلاقية، وقوّى تأثير الأفكار الغريبة التي ستنعكس على المجتمع وتهدد أمنه واستقراره ومستقبله.
لجميع الأزواج أقول: خففوا من أنانيتكم وتوقفوا عن الهروب من مسؤولياتكم، فالبيوت ليست مجرد جدران وأثاث، بل هي مركز الأنس والراحة لجميع أفرادها، وهي ملجأهم من كدر الدنيا وتعبها. ابذلوا المساعي للاقتراب من بعضكم البعض. تقبلوا عيوب وأخطاء الطرف الآخر، فبألفة الوالدين وإحاطتهما لأسرتهما الصغيرة سيتوافر التوازن النفسي والعاطفي للجميع وسيصبح الأبناء أشخاصا متزنين في المستقبل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أربع من السعادة: المرأة الصالحة والمسكن الواسع والجار الصالح والمركب الهنيء....».
[email protected]