بقلم: لطيفة الفودري
أيها القارئ الكريم: يقول ابن القيم ـ رحمه الله: «سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: «في بعض الآثار الإلهية يقول الله تعالى: (إني لا أنظر إلى كلام الحكيم، وإنما أنظر إلى همته) قال والعامة تقول: قيمة كل امرئ ما يحسن، والخاصة تقول: قيمة كل امرئ ما يطلب، يريد أن قيمة الرجل همته ومطلبه».
عجيبة هي الهمم، همة ارتبطت بمن فوق العرش ـ جل وعلا ـ إرادة وطلبا، وشوقا ومحبة، وإخباتا، وإنابة، لا مستراح لها إلا تحت شجرة طوبى، ولا قرار لها إلا في يوم المزيد، كلما طال عليها الطريق تلمحت المقصد، وكلما مرت الحياة تذكرت (هذا يومكم الذي كنتم توعدون).
وهمة دنت عند حفنة شعير يأتي الأعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله حفنة من شعير قائلا: «يا محمد، أعطني من مال الله، فإنه ليس من مالك ولا من مال أبيك».. ما يطلب إلا ما يذهب إلا إلى الحش.. هذه همة.. وهمة مغايرة لها تماما همة ربيعة بن كعب الأسلمي، همة فوق الشمس قال ربيعة: «كنت أبيت مع رسول الله فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: «سل» فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: «أو غير ذلك؟» قلت: هو ذاك. قال «فأعني على نفسك بكثرة السجود».
يا لها من همة عالية، وغاية سامية، فالجنة أسمى وأغلى غاية يطلبها المرء، فكيف تكون إذن قيمة من كانت الجنة طلبه وبغيته، لا شك أنها تكون قيمة عالية ومكانة طيبة وسمعة جيدة، فالمطلب غالٍ ونفيس.
وكذلك الهمة في طلب العلم والزهد في الدنيا يجعل للمرء قيمة ومكانة بين الناس، فهذا بشر الحافي ـ رحمه الله ـ لما كان مطلبه دنيويا في بداية حياته، لم تكن له قيمة ولا مكانة، فلما هداه الله وطلب ما عند الله أحبه الناس فكان يضرب به المثل في الزهد والعبادة، فلما مات تجمع الناس ليشيعوا جنازته فخرجت الجنازة بعد صلاة الفجر ولم تصل إلا في الليل إلى المقبرة من شدة الزحام، فهذه هي القيمة الحقيقة.
لما طلب الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ الجنة وبرهنوا على صدق طلبهم على ذلك بالتضحية بكل ما لديهم كانوا أفضل خلق بعد الأنبياء، وكانت لهم القيمة العالية عند الله ـ عز وجل ـ حيث رضي عنهم قال سبحانه: (رضي الله عنهم ورضوا عنه).
وهكذا بقية السلف كان مطلبهم عاليا وذا قيمة عند الله، فهذا عمر بن عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ لما تولى الخلافة وكان مطلبه الجنة بعد ذلك سعى إلى العدل بين الناس وإحقاق الحق وإبطال الباطل فكانت له قيمة كبيرة بين الناس، حتى لقبوه بالخليفة الخامس.
وكذلك الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ كان مطلبه عاليا وهدفه ساميا فكانت له القيمة العالية بين الناس فلقبوه بإمام أهل السنة والجماعة، وأما صلاح الدين الأيوبي فقد كان مطلبه عظيما وهو تحرير بيت المقدس وإخراج الصليبيين منه، فكان المثال الناصع للأمة في الجهاد والتضحية فأصبحت القدس لا تذكر إلا وذكر صلاح الدين معها فاتح القدس ومحررها من أيدي الصليبيين.
ثم هذا الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ كانت همته عالية ومطلبه كبيرا وهو جمع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فألف كتابه المشهور صحيح البخاري فصار أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل.
إن قيمتك أيها الإنسان على قدر ما تطلب، فإن كنت تطلب الجنة ورضاء الله فقيمتك غالية، وإن كنت تطلب الدنيا وأموالها فأنت على قدر ما تطلب، فلينظر كل إنسان ما ذا يطلب ثم يعلم أن مكانته وقيمته على قدر مطلبه، فإن كان مطلبه غاليا كانت قيمته غالية، وإن كان مطلبه دنيئا كانت قيمته كذلك.
قلبي يحدثني ألا يليق به
رضا بجهل ذليل اللب يرضيه
قد ثار ثائر نفسي عز مطلبها
وطار طائر لب في مراقيه
كالنسر لا حاجب للشمس يحرقه
ولا الصواعق والأرواح تثنيه
إن لم أنل منه ما أروي الغليل به
قد يحمد المرء ماء ليس يرويه
والقانعون بما قد دان عيشهم
موت فإن هدوء القلب يرديه
يا قلب يهنيك نبض كله حرق
إلى الغرائب مما عز ساميه
وأخيرا: إن هممت فبادر، وإن عزمت فثابر، واعلم أنه لا يدرك المفاخر، من رضي بالصف الآخر.
اللهم اجعل طلبنا وغايتنا رضاك والجنة، وأعل هممنا، وقوِّ عزائمنا.
Twitter: @AL_foudari
E_mail:
[email protected]