الصحابي الجليل ربعي بن عامر أحد جند المسلمين في القادسية أرسله سعد بن وقاص رضي الله عنه الى رستم قائد جيوش الفرس، فعندما دخل عليه وجده قد توسد الديباج والحرير وأغلى أنواع الصوف والقماش، وصف من حوله الجند والعسكر بما يوحي بأنه كسرى الفرس، كان يتوقع أن رسول قائد جيش المسلمين سينافسه بهذه البهرجة المخيفة ويأتيه بعدة وعتاد وموكب وأجناد ويجامله فيعطيه ما أراد... إلا أنه فوجئ بذلك الإعرابي المرتدي قطعتين من قماش يكاد يستر بهما جسده ودرع حرب لا تكاد تحميه من الرماح، يتمطى خيله فوق السجاد الفارسي ويضرب برمحه وسائد الديباج وريش النعام حتى وقف أمامه، فقال رستم: ماذا جاء بكم؟ قال ربعي بي عامر رضي الله عنه: إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد الى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا الى سعة الآخرة ومن جور الأديان الى عدل الإسلام.
هكذا كانت مواجهة أصحاب الحق، لا ينتظرون التعاطف ليحققوا مكاسب، ولا يجاملون ليأمنوا الخوف، ولا يواجهون من وراء جدر أو خلف الكواليس، إنها كلمة الحق يصدع بها الصادقون المخلصون ليحققوا رفعة الأمة ومصلحة البلاد.
إن الخوف من المواجهة لا يعدو سوى ضعف الجبناء ووسيلة الضعفاء، لذا فإن من وسائل ضعفهم استغلال الوسطاء في مواجهة الغير والتستر عند التحدي والضرب تحت الحزام، حتى يتفادو النقد والفضيحة والخسارة وذلك لعلمهم المسبق بأن ليس لديهم سند ولا دليل يحتجون به بل هدفهم الانتصار حتى لو خربت البصرة كما يقولون.
الصدق منجاة.... واعظم كلمة هي كلمة حق امام سلطان جائر، والمواجهة دليل على القوة والصدع بالحق، كما أن الاعتراف بالخطأ فضيلة، لكن هناك من يرى أنه على حق وغيره على خطأ ولا يستطيع أن يفصح امام الملأ بذلك بل يتفنن في استخدام ادوات المواجهة ويديرها بالريمونت كنترول من بعيد، واذا سأل قال: انا ما ادري ولا أعرف
إن الخوف من المواجهة اصبح اليوم مرضا من امراض العصر انتشر على جميع مستويات الحياة سواء السياسية أو الاقتصادية أو حتى الاجتماعية وهذا ما يضر البنية الاجتماعية داخليا وخارجيا ويعوق توطيد العلاقة المتينة فيها، فهل لنا وقفة شجاعة لنكون أشد قوة وصراحة في المواجهة، وأقدر على أن نكون في مستوى عال للشفافية حتى تصفى القلوب وتطمئن الأرواح ويتحقق فينا قول المصطفى صلى الله عليه وسلم «المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا».
[email protected]