لا شك أن القرآن الكريم يضع أسسا راسخة للعمل الاجتماعي والإنساني، حيث يربط بين العبادة الحقيقية وخدمة الناس، وهذا يكفل نوعين من العمل الحقيقي المتأصل في الإنسانية ألا وهما: خدمة المجتمع والتكافل.
ومما لا شك فيه أن العمل الاجتماعي هو منارة العمل الإنساني الصرف، وهو طبيعة خلق الله عليها بني آدم منذ بداية الخليقة عندما خلق آدم عليه السلام واستوحش فخلق له من نفسه حواء لتأنسه وعليه يقومان بدورهما بالعمل الاجتماعي الذي يكفل إعمار الأرض وبناء القواعد البشرية في التفاعلات والمعاملات السليمة.
كما أن العمل الاجتماعي ليس فقط منظورا يعكس الخير على الآخرين فحسب وإنما هو أساس الصحة النفسية للفرد المتطوع، فالصحة النفسية لا تتجسد إلا بالعطاء الصرف الذي لا ينتظر منه مقابل، فثقافة العمل الاجتماعي ـ التطوعي أمر فطري كسلوك إنساني نراه في كل المجتمعات بمختلف خلفياتها الثقافية والعقائدية، حيث نرى صور العمل الاجتماعي بشكل مجموعات يربطها فكر وهدف موحد يترجم على أساسه العمل الاجتماعي التطوعي.
وعندما نتدبر القرآن نجد أجمل معاني العمل الاجتماعي التطوعي الذي ينعكس بالخير وتأصيل معنى التكافل بسورة الإنسان الذي يصف الله عز وجل به السلوك الإنساني، في المشهد الحواري لأهل الجنة الذين كانوا في الدنيا يقومون بأعمال تطوعية في قوله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً) (سورة الإنسان، 8-9)، فأعلى مظاهر العمل الاجتماعي هو إطعام الطعام، ومن ثم تأتي المساعدات المالية والمعنوية، حيث أكثر شيء يتعب الناس هو الجوع في المقدمة في قوله تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين) (سورة البقرة، 155)، فالترتيب الرباني للبلاء من بعد الخوف هو الجوع بالمقدمة ويليه المال... إلخ، وهذا دليل أن العمل الاجتماعي في إطعام الطعام هو في مقدمة العمل الإنساني، حيث إنه يؤصل الإحساس بالمعنى، فعندما يشارك الفرد بالأعمال التطوعية فإنه يقدم لحياته قيمة كبيرة، إلى جانب تقليل التوتر الذي يكون أصله مشاعر الخوف من المجهول، وذلك لانخراط الفرد في خدمة الآخرين فإنه يخفف بدوره من الضغوط النفسية ويمنح شعورا بالرضا الداخلي، إلى جانب تعزيز الروابط الاجتماعية، فالعمل التطوعي يفتح أبوابا للتعارف والتواصل، مما يقلل من العزلة ويزيد من الدعم النفسي، وهذا ما نحتاج إليه اليوم خاصة لفئة الشباب في مقاومة الآثار التكنولوجية التي أصبحت خارج السيطرة ومنها زيادة التوتر والقلق والعزلة، وأخيرا تنمية الإيجابية، حيث إن رؤية أثر المساعدة على وجوه الآخرين تنعكس مباشرة على نفسية المتطوع، فيشعر بالسعادة والطمأنينة، فسبحان الذي جعل القرآن كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، في جميع جوانب احتياجات الفرد الحياتية.
sheikha_alasfoor@
[email protected]