الكويتيون شعب حي، لهم نظام حكم بالتراضي لأكثر من 3 قرون، ودستور سبق عصره، والعالم وشعوبه يرصدون حراكه السياسي طوال عشرات السنين، هذا الحراك الدائر في النور وليس في السراديب والأعشاش المظلمة يتولى القضاء الحكم في تطبيق القانون على كل مخالف تسول له نفسه التطاول أو الخروج عن الحقوق والواجبات والعالم كله يشهد للكويت أميرا وحكومة وشعبا بهذه الصبغة الحضارية.
مفخرة الديبلوماسية
وللشعب الكويتي أن يفخر بأن الكويت من الدول المتقدمة في الخبرة التراكمية في مجال السياسة الخارجية، وتعتبر مدرسة لجميع الدول الآسيوية والأفريقية النامية، فرحلة الديبلوماسية الكويتية اليوم بلغت نحو 52 عاما من الحصاد الذي غرسه وزرعه أبو الدستور الأمير الشيخ عبدالله السالم ـ رحمه الله ـ الذي رفع في 19 أغسطس 1961 مرسوما بإصدار دائرة للخارجية، وفي 3 أكتوبر 1961 أصدر قرارا بتعيين أخيه الأمير الشيخ صباح السالم ـ رحمه الله ـ كأول رئيس لدائرة الخارجية، وفي الأول من يناير 1962 أصبحت دائرة الخارجية وزارة في أول تشكيل وزاري، ومن يومها تسير بيد حكيمها صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد أول وزير للخارجية في 28 يناير 1963 حينذاك، ثم الشيخ سالم صباح السالم في 21 أبريل 1991، ثم صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد وتقلد بعده منصب وزارة الخارجية الشيخ د.محمد الصباح ثم الشيخ صباح الخالد.
أزمات صعبة
وطوال نحو 40 عاما مرت الخارجية الكويتية بأزمات صعبة ومواجهات غير متكافئة ولكنها اجتازتها بحكمة وحنكة من يقودها، فكانت أزمة قاسم، وهي المواجهة الأولى للخارجية الكويتية بعد الاستقلال ومنها كتاب طلب الحماية البريطانية والذي وصفه الشيخ عبدالله السالم ـ رحمه الله ـ بأنه صعب عليه أن يطلبها وما تلا ذلك من الفيتو من الاتحاد السوفييتي معترضا على انضمام الكويت للأمم المتحدة في عام 1961 والثانية في عام 1962 وبعد الجهود الديبلوماسية للكويت مع الاتحاد السوفييتي وأعضاء المنظمة الدولية رفع الفيتو السوفييتي عن انضمام الكويت للأمم المتحدة، وانضمت قبل ذلك الكويت للجامعة العربية في 1963 لتمارس دورها العربي والعالمي وبفضل رجالاتها الأوائل تم تأهيل كوادر وطنية قادرة على التعامل مع الأزمات خاصة أن العالم في ذلك الوقت كان يحكم ضمن معسكرين، الرأسمالي الغربي والشيوعي الاشتراكي، ممثلا بأميركا وأوروبا من جهة والاتحاد السوفييتي بكل منظومته الاشتراكية المنضوية تحت ستار الشيوعية، وكانت تسمى أوروبا الشرقية من الجهة الأخرى، غير أن الانفتاح الكويتي ساعد على أن يكون للكويت سفارة في الاتحاد السوفييتي وهي الدولة الوحيدة من دول الخليج التي كانت تقيم مثل هذه العلاقات مع المعسكر الشرقي في ذلك الوقت العصيب، والجميل في السياسة الخارجية الكويتية أنها استخدمت التحرك الديبلوماسي المدعوم بالثقل الاقتصادي مما جعلها رائدة على مستوى العالم لأن التحرك الديبلوماسي من غير دعم اقتصادي تحرك عقيم وهذا ما يبرر إنشاء صندوق التنمية الاقتصادية الذي قدم المساعدات.
عبدالرحمن العتيقي ودور تاريخي
العم عبدالرحمن العتيقي (أبو أنور) أطال الله في عمره، كان أول رئيس لوفد كويتي يمثل الديبلوماسية الكويتية بعد الاستقلال، وهذا الرجل يسجل له أيضا المواجهة التاريخية الشجاعة عندما رد على افتراءات واقتراحات القذافي في المؤتمر العربي الذي عقد في القاهرة بكل شجاعة اهل الكويت وسأعرضه لاحقا تفصيلا.
ونعود لدور العم عبدالرحمن العتيقي الذي ترأس أول وفد كويتي يمثل الديبلوماسية الكويتية وشاركه عبداللطيف الحمد، حيث دعوا مجلس الأمن والجمعية العمومية الى الموافقة على طلب الانضمام لعضوية منظمة الأمم المتحدة ومناقشة أزمة المقبور عبدالكريم قاسم عام 1961 واتصالهم بوفود الدول المختلفة لدعم الحق الكويتي كدولة مستقلة ذات سيادة، ومنذ ذاك الاتصال المبارك والكويت اتخذت من السياسة الخارجية دورا وأداة لمعالجة الخلافات التي تحدث هنا وهناك ومعالجة النزاعات وتقديم الوساطات العربية من خلال نطاق الجامعة العربية أو مجلس التعاون، وأعتقد أن كثيرا من المنصفين يقدرون هذا الدور الحميد للكويت خلال أكثر من 50 عاما من التحرك الفاعل لإطفاء نيران الخلافات والفتن.
قصة «اسمع يا معمر»
وكان القذافي قد قال في مؤتمر القاهرة الذي عقد عقب الاحتلال العراقي انه على الرغم من رفضه أسلوب الغزو العسكري حتى لو كان الهدف هو الوحدة إلا أن ذلك لا يخفي عن اعيننا الخطر الأكبر الذي يهدد الأمة العربية كلها الآن وهو التدخل الاستعماري الأميركي الذي يعمل لمصلحة إسرائيل في الأساس ويهدد كيان العراق والأمة العربية.
واقترح القذافي ان تبادر مجموعة من الرؤساء والملوك إلى إبلاغ صدام بما اتخذته القمة من قرارات، واقترح أن تتكون هذه المجموعة من الرئيسين مبارك والشاذلي بن جديد والملك حسين وارتأى القذافي أن يكون الحل على أساس انسحاب العراق من الأراضي الكويتية والقوات الأجنبية من الخليج في آن معا وضمان حقوق العراق في أصل النزاع سواء ما يتعلق بالتعويضات أو النفط أو مشكلة الحدود.
وعندها قام مستشار سمو الأمير آنذاك عبدالرحمن العتيقي موجها كلامه للرئيس الليبي، اسمع يا معمر إذا كان الموجودون من أهل الكويت أصلهم وتربيتهم تفرض عليهم تجاهلك وعدم الرد أنا راح أرد عليك.
معمر يرد: من أنت؟
العتيقي: مواطن كويتي: وأنا كمواطن كويتي مستعد للتحالف مع الشيطان لعودة بلدي وطرد الاحتلال العراقي.
حاول ياسر عرفات التدخل، لكن العتيقي نظر إليه قائلا: أنت آخر واحد يحق له الكلام.
وتابع مشيرا إلى ملك الأردن: واللي واقف معاك انتو اللي كنتم تأتون لنا تبكون علشان مساعداتكم المالية وأنت ـ قاصدا الحسين بن طلال ـ كنت تتصل بي شخصيا وتحملني رسائل أغلبها طلب مساعدات مالية علشان أنقلها لسمو الأمير ولم يبخل عليكم، والكويت ما بخلت عليكم وعلى شعوبكم وعلى أنفسكم.
وهنا تدخل أحد قادة دول مجلس التعاون الخليجي مناديا مستشار سمو الأمير قائلا له: ما قلته يا أبوأنور صحيح وردك يعبر عنا جميعا، ويقال ان خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله هو من اجلسه بجانبه.
ديبلوماسية التوازنات
أي منصف ومتابع للدور الديبلوماسي الكويتي يعي بعين البصيرة ان وزارة الخارجية الكويتية بحكيمها وموجه سياستها الخارجية ورجاله الأخيار من سفراء الكويت في الخارج ومن هم أركانها في الداخل، وبكل هذا الفريق الماراثوني الانكشاري، استطاعت أن تجعل من الحياد سياسة لها في التعامل مع القضايا المختلفة. وقد تربى جيل كامل على هذه المرتكزات الديبلوماسية الكويتية العريقة التي لم تحاب طرفا على طرف في ميادين الحلول والحسابات وكانت وفود وزارة الخارجية تجعل من العقلانية والموضوعية دستورا لها في كل اجتماعاتها مع الأطراف المختلفة مما جعل الديبلوماسية الكويتية تنأى بنفسها عن كل الأخطار نتيجة التسرع أو التهور خاصة الوساطات، مما أعطى الكويت اسما مضيئا في سماء الديبلوماسية العالمية وما كان لهذا الدور أن يتضح لولا الجهود المضنية التي تحملها صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد على امتداد وجوده في مؤسسة الحكم ولأكثر من 40 عاما، مما جعل احرار العالم يطلقون عليه الحكيم أو حكيم الديبلوماسيين لأنه بالفعل كان على الدوام الطبيب الماهر في حل المشكلات الديبلوماسية والخلافات العربية أو الإسلامية أو الدولية وهذا ما حقق للكويت مكانة مرموقة بين دول وشعوب العالم.
نجاح مدرسة الكويت الديبلوماسية
ابهرت مدرسة الكويت الديبلوماسية العالم بشكل حقيقي عندما نجحت في حشد التأييد العربي والاسلامي والدولي العالمي ضد الاحتلال العراقي الغاشم الآثم في 2 اغسطس 1990 وكان لتحركها نجاح لا يعادله نجاح، ولقيت جهود الشيخ صباح الأحمد نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية، حينذاك تجاوبا من كل المسؤولين العاملين في وزارات الخارجية بالعالم ما اذهل المراقبين والمتابعين، ويرجع لسمو الشيخ صباح الأحمد الفضل في القول: لا مكان للعدوان ولا تهاون مع العابثين بالقانون الدولي، وبكل صراحة لا ينكرها عاقل اثبت الشيخ صباح الأحمد نجاح الديبلوماسية الكويتية لانه حاصر النظام العراقي المقبور وضغط عليه للخروج بلا قيد او شرط والزمه بالشرعية الدولية وفرض عليه تعويضات من خلال تحرك مكوكي تخللته عشرات الزيارات للعواصم الكبرى والالتقاء بالمسؤولين وتشدد في كل لقاءاته بضرورة فرض الحظر الاقتصادي على النظام العراقي ما جعل قضية الكويت تتصدر كل القضايا وتكون على رأس قائمة القضايا ذات الاهتمام العالمي. ان التاريخ الكويتي يشهد أن التحرك الواعي للديبلوماسية الكويتية حفظ الكويت على مدار الزمن من الاعداء المتربصين بكيان الكويت وليس صحيحا من يدعي ان الكويت كانت المشاغبة بل بلد جدير بالاحترام وفي مع الاصدقاء بعد جريمة الاحتلال العراقي الغاشم ولم يتنكر لقوميته ومبادئه.
وساطات ناجحة لحكيم الديبلوماسية العربية
من يستعرض تاريخ الكويت الخارجي يجد ان الكويت رغم صغرها الا انها كانت على الدوام تقود وساطات ناجحة تمهد لها وتعتمد على خبرتها في حل الكثير من المشكلات الثنائية ويسجل لها التاريخ النجاح بجدارة في قضايا لا تُحل لولا تدخل الكويت ولا عجب ان يسمى أميرها اليوم بأمير الديبلوماسية لما له من تاريخ مشرف في حل كثير من النزاعات واطفاء العداوات في مهدها ويثمن للكويت اليوم نجاح ديبلوماسييها في تعزيز تواجد الكويت في قلوب الشعوب المختلفة لدورها الرائد في معالجة ما يستجد من ازمات حتى على الصعيد الشعبي هناك دور بارز لا ينكر لمجلس الامة الكويتي في دعم السياسة الخارجية الكويتية من خلال وفوده التي تزور بلدان العالم وتدعم الدور الكويتي الرسمي وهذا بدوره دور طبيعي متناغم للكويت رسميا وشعبيا وهو موقف تاريخي لا ينسى للكويت اميرا وحكومة وشعبا ويدل على ايمان الشعب الكويت عامة باهمية القيام بدور «الوسيط الخيّر» لحل الاشكالات والمنازعات وهناك في سجلات التاريخ والوثائق عشرات بل مئات من المواقف للكويت تؤكد أنها كانت اللاعب الابرز في حل الخلافات واحتواء التوترات والاسهام بمبادرات وهناك مقولة صحيحة ان الكويت صديقة للعالم ولشعوبه بفضل حكامها وشعبها.
أمير الديبلوماسية
عودنا والدنا العود صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد على الجولات المكوكية للم شمل اي خلاف داخل البيت الخليجي والعربي والاسلامي والدولي، وهذا الدور ارتبط به شخصيا منذ توليه وزارة الخارجية وهو تاريخ بارز ولو استعرضنا ارشيف القضايا والوثائق والمصالحات لوجدنا نماذج صعبة من الخلافات استطاع بحنكته وخبرته ان يحلها ومن منا ينسى دوره التاريخي عندما اخذ سموه معه حاكم دبي وولي عهد أبوظبي إلى سلطنة عمان وجمع القيادتين الاماراتية والعمانية؟! هذا هو الشيخ صباح الأحمد الذي كان ولا يزال وسيظل عمود خيمة الكويت والرمز العربي الذي جُبل على دور الوسيط الفاعل والناجع والناجح وهذا الدور من شيمه واخلاقه الدائمة الحريصة على بذل الجهد لاصلاح الخلاف العربي والخليجي وهو دور اعطاه لقب «شيخ الديبلوماسية» عن جدارة سواء في المنطقة الخليجية او العربية، ولتبقى مدرسته في وزارة الخارجية ممثلة بالشيخ سالم الصباح رحمه الله والشيخ د. محمد صباح السالم والشيخ صباح الخالد المستمر في العطاء والجهد العامل في المدرسة الديبلوماسية التي رعاها ونماها ووجهها سمو الشيخ صباح الأحمد بعد ان اعطاها جهده وخبرته وهذا هو والدنا صباح الأحمد حكيم هذه المدرسة الناجحة التي حصدت 52 عاما من النجاح في المجال الديبلوماسي، وهنيئا للكويت بهذه المدرسة القدوة الرائدة المليئة بالانجازات الديبلوماسية والحضارية.
[email protected]